فهرس الكتاب
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما قدم المدينة واتخذها عاصمة لدار الإسلام، قد أرسى دعائم الاستقرار والاستمرار لمجتمع تسوده علاقات طيبة مع الطوائف المجاورة أو الساكنة مع المسلمين في أرض الإسلام، وكان من هؤلاء قبائل من اليهود، قدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - المدينة وهم فيها، فأراد أن يقي المسلمين شرهم، فعقد معهم عهدًا يؤمنهم على أرواحهم وأموالهم في مقابل ألا ينقلبوا على المسلمين بغدر أو خيانة أو مظاهرة للأعداء من خارج المدينة، ولكن طبع اليهود غلب محاولات تطبيعهم أو تطويعهم لقيم الأمانة والوفاء، فغدرت منهم قبيلة بني قينقاع وخانت العهد، فما كان من الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا أن استعد لحربهم وإخراجهم من المدينة، وبدأ في حصارهم مستمرًا في ذلك نحو خمس عشرة ليلة حتى ألقى الله الرعب في قلوبهم، فطلبوا الاستسلام، وارتضوا المصير الذي يحكم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم جزاء نقض العهد. ولكن اليهود وجدوا من يتصدر لهم، ويتوسط لإطلاقهم؛ إذ طلب زعيم المنافقين إطلاقهم بدعوى أنهم كانوا حلفاءه في الجاهلية، ووضع يده في جيب درع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى اشتد غضبه - عليه الصلاة والسلام -، وقال له: «ويحك أرسلني» قال: «لا والله، لا أرسلك حتى تحسن في موالىَّ.. قد منعوني من الأحمر والأسود وتريد أن تحصدهم في غداة واحدة! إني والله امرؤ أخشى الدوائر» فأنزل الله - تعالى - قوله: {فّتّرّى الذٌينّ فٌي قٍلٍوبٌهٌم مَّرّضِ يٍسّارٌعٍونّ فٌيهٌمً يّقٍولٍونّ نّخًشّى أّن تٍصٌيبّنّا دّائٌرّةِ فّعّسّى اللَّهٍ أّن يّأًتٌيّ بٌالًفّتًحٌ أّوً أّمًرُ مٌَنً عٌندٌهٌ...} [المائدة: 52] (1) ، لقد اكتفى الرسول - صلى الله عليه وسلم - منهم بالجلاء عن المدينة وألا يساكنوه فيها، فهل قرَّ قرار النفاق بذلك، وهل ارتدع بقية اليهود بذلك؟
لقد حدث أن أحد المسلمين قتل رجلين من المشركين ثأرًا لمقتل نحو سبعين من الصحابة قتلوا ظلمًا على يد قبائل مشركة، دون أن يعلم الرجل المسلم الذي قتل الرجلين أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - على عهد مع هؤلاء، فقرر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدفع دية القتيلين، ويطلب من قبيلة بني النضير اليهودية المعاهِدة أن تفي بأحد بنود العهد معها بأن تشارك في دفع دية القتيلين، وذهب بنفسه - عليه الصلاة والسلام - لطلب مشاركتهم، فتظاهروا بالقبول، ولكن سنحت لهم سانحة للغدر فلم يُفوِّتوها، فتآمروا لاغتيال الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما أغراهم جلوسه أسفل أحد بيوتهم بأن يقتلوه بإلقاء حجر كبير عليه من أعلى البيت، ولكن الله - تعالى - أطلع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتآمرهم، فانسحب بسرعة راجعًا إلى المدينة، وعازمًا على حرب بني النضير. وبالفعل؛ سار بالمسلمين نحوهم في شهر ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة، فتحصنوا وراء الجدر والحصون فضرب الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليهم الحصار، وبينما هو مضروب حولهم بسبب جرمهم ونقضهم للعهد، إذا بالنفاق يطل برأسه من جديد ممالأة لقتلة الأنبياء، ويذهب وفد من المنافقين إلى معقل اليهود، ليهدئ من روعهم، ويكفكف لوعتهم ويعدهم بالوقوف والمساندة وبذل المستطاع في التحالف معهم، ولو اقتضى الدفاع عنهم أن يقاتلوا في صفهم ضد المسلمين!!
ممن يحدث هذا؟! من أناس يعيشون بين المسلمين، وينتسبون إليهم ويصلون معهم! لقد كان أمرًا خارجًا عن الحد الأدنى من طبائع الأمناء الشرفاء، حتى جعل القرآن يتنزل بحكاية خبر القوم: {أّلّمً تّرّ إلّى الذٌينّ نّافّقٍوا يّقٍولٍونّ لإخًوّانٌهٌمٍ الذٌينّ كّفّرٍوا مٌنً أّهًلٌ الكٌتّابٌ لّئٌنً أٍخًرٌجًتٍمً لّنّخًرٍجّنَّ مّعّكٍمً ولا نٍطٌيعٍ فٌيكٍمً أّحّدْا أّبّدْا وإن قٍوتٌلًتٍمً لّنّنصٍرّنَّكٍمً واللَّهٍ يّشًهّدٍ إنَّهٍمً لّكّاذٌبٍونّ} [الحشر: 11] .
لقد انتهى الأمر بإجلاء بني النضير إلحاقًا بإخوانهم في البُهت والسُّحت من بني قينقاع، وحالت عزة الإسلام أن يسل المنافقون سيوفهم ضد المسلمين معهم، وإلا فإنهم فلو تمكنوا لما تأخروا، ولكنها الرهبة من الإسلام، عظمت حتى ملأت قلوب الكافرين والمنافقين جميعًا {لأّنتٍمً أّشّدٍَ رّهًبّةْ فٌي صٍدٍورٌهٌم مٌَنّ اللَّهٌ ذّلٌكّ بٌأّنَّهٍمً قّوًمِ لا يّفًقّهٍونّ} [الحشر: 13] (1) . إن من يريد أن يقتفي أثر إفساد المنافقين خلال عهد الرسالة، عليه أن يبحث عن ذلك في مظان الحديث عن اليهود، فأينما وُجد اليهود، وُجد المنافقون.
المنافقون والتحالف مع الأحزاب: