فهرس الكتاب
لما أجلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بني قينقاع ثم بني النضير جزاء خيانتهم ونقضهم للعهود، اجتمع بقايا من اليهود الساكنين في خيبر شمال المدينة المنورة، وتآمروا مع يهود بني قريظة لتهييج المشركين من العرب في أنحاء الجزيرة على أهل الإيمان، ليكون الجميع يهودًا وعربًا ضد المسلمين، وقد أسفرت جهود التآمر تلك عن تكوين تحالف من عدة أحزاب للهجوم على المدينة من الخارج، فاستشار النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأمر، واستقر الرأي على ما أشار به سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ بأن يظل المسلمون في المدينة متحصنين بها بعد أن يحفروا خندقًا حولها من الجهة المكشوفة التي يمكن للأعداء أن يداهموا المسلمين منها. وبدأ الحفر، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أصحابه يبث الأمل ويشارك في العمل، وبدأ بعض المنافقين يتسللون بالرجوع بعد إظهار التثاقل والسآمة، وشكك بعضهم في فكرة الخندق نفسها، وأطلق آخرون عبارات التثبيط وإشارات الوهن لترويج الشائعات وبث الفرقة، وتجاسر أحدهم فقال والناس يسمعون بعد أن بدأت طلائع الأحزاب في القدوم حول المدينة: «كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يقدر أن يذهب إلى الغائط» ! وجاء آخرون ليقولوا لأهل المدينة الصابرين الصامدين تحت الحصار: {يّا أّهًلّ يّثًرٌبّ لا مٍقّامّ لّكٍمً فّارًجٌعٍوا} [الأحزاب: 13] ويتبجح آخرون بضرورة الرجوع حمية للحرمات {ويّسًتّأًذٌنٍ فّرٌيقِ مٌَنًهٍمٍ النَّبٌيَّ يّقٍولٍونّ إنَّ بٍيٍوتّنّا عّوًرّةِ ومّا هٌيّ بٌعّوًرّةُ إن يٍرٌيدٍونّ إلاَّ فٌرّارْا} [الأحزاب: 13] أما أشدهم خسة وأبلغهم وضاعة، فأقوام لم يكتفوا بجبنهم وتشكيكهم في شجاعة الشرفاء، بل ندبوا أنفسهم إلى جر من يستطيعون إلى صفوف القاعدين وهؤلاء من {الًقّائٌلٌينّ لإخًوّانٌهٌمً هّلٍمَّ إلّيًنّا ولا يّأًتٍونّ البّأًسّ إلاَّ قّلٌيلاْ} [الأحزاب: 18] كل هذا قبل أن يأتي الخوف الحقيقي،
فلما جاء {رّأّيًتّهٍمً يّنظٍرٍونّ إلّيًكّ تّدٍورٍ أّعًيٍنٍهٍمً كّالَّذٌي يٍغًشّى عّلّيًهٌ مٌنّ المّوًتٌ} [الأحزاب: 19] .
لقد بدأت تظهر أبعاد المؤامرة، وتبين أن قوى التحالف المعادي للإسلام قد قذفت إلى حدود المدينة بنحو أربعة آلاف من أشداء قريش ومن عاونها من قبائل العرب، ونحو ستة آلاف من قبائل غطفان، إضافة إلى جموع من اليهود الذي حزبوا تلك الأحزاب ودبروا الغارة وأوقدوا الفتنة، لقد استغل الجميع الفرصة وأحاطوا المدينة من جوانبها، وحاصروا المسلمين وراء الخندق الذي لم يقدروا على اختراقه، وطال الحصار قريبًا من الشهر، حتى نزل بالمسلمين الخوف والجوع، والبرد والبلاء، وصوَّر القرآن هذه المشاهد في تلك اللحظات الرهيبة الرعيبة.. {إذً جّاءٍوكٍم مٌَن فّوًقٌكٍمً ومٌنً أّسًفّلّ مٌنكٍمً وإذً زّاغّتٌ الأّبًصّارٍ وبّلّغّتٌ القٍلٍوبٍ الحّنّاجٌرّ وتّظٍنٍَونّ بٌاللَّهٌ الظٍَنٍونّا * هٍنّالٌكّ ابًتٍلٌيّ المٍؤًمٌنٍونّ وزٍلًزٌلٍوا زٌلًزّالاْ شّدٌيدْا} [الأحزاب: 10، 11] كان المتصور من جميع الرعاديد الساكنين مع المسلمين أن يتماسكوا أو يتظاهروا بالتماسك في تلك اللحظات المصيرية، ولكنهم مضوا يخذلون ويحذرون ويشككون في كل شيء، حتى في الوعد الصادق من الله ورسوله {وإذً يّقٍولٍ المٍنّافٌقٍونّ والَّذٌينّ فٌي قٍلٍوبٌهٌم مَّرّضِ مَّا وعّدّنّا اللَّهٍ ورّسٍولٍهٍ إلاَّ غٍرٍورْا} [الأحزاب: 12] ، آيات وعظات في السورة التي تحكي واقعة الأحزاب، لم تكن ليتنزل بشأنها وحي ويُتلى في أمرها قرآن؛ لولا أنها تحكي أحوال نفسيات وشخصيات قبل أن تقص أحداث لحظات وساعات، إنها شخصية ونفسية المنافقين في كل زمان ومكان (1) ! خيانة وتآمر، ووضاعة وتخاذل وشك فيما وعد الله به، ونقض لما عاهدوا الله عليه {ولّقّدً كّانٍوا عّاهّدٍوا اللَّهّ مٌن قّبًلٍ لا يٍوّلٍَونّ الأّدًبّارّ وكّانّ عّهًدٍ اللَّهٌ مّسًئٍولاْ} [الأحزاب: 15] ولكن هذا الجبن المستحكم
سرعان ما يتحول إلى شجاعة مصطنعة وجسارة جبارة تقذف بالسموم من كل نوع على الصادقين العاملين الذين لا يرجون إلا رضا الله، ولا يكون ذلك الهجوم من المنافقين إلا بعد أن يولي الخطر وينقشع الغبار {فّإذّا ذّهّبّ الخّوًفٍ سّلّقٍوكٍم بٌأّلًسٌنّةُ حٌدّادُ أّشٌحَّةْ عّلّى الخّيًرٌ أٍوًلّئٌكّ لّمً يٍؤًمٌنٍوا فّأّحًبّطّ اللَّهٍ أّعًمّالّهٍمً وكّانّ ذّلٌكّ عّلّى اللَّهٌ يّسٌيرْا} [الأحزاب: 19] .
المنافقون ومصانعة النصارى: