فهرس الكتاب
في ظرف من أدق وأشق الظروف التي مرت على الدعوة الإسلامية في عهد الرسالة نما إلى مسامع المسلمين في المدينة في أواخر عمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن أكبر قوة في الأرض آنذاك تعد لسحق المسلمين في دارهم وطي صفحة الإسلام من التاريخ بتخريب مدنه واجتياح أرضه وتقتيل أهله وتشريدهم، لقد تواردت الأنباء إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن نصارى الروم على وشك القدوم؛ فقرر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يباغت القوم بالحرب قبل أن يكملوا الاستعداد، وفي وقت نضج فيه الثمر وطاب فيه المقام، مع شدة حر نافست شدة الخوف من الحرب، ندب الرسول - صلى الله عليه وسلم - الناس للنفير دفاعًا عن الإسلام المستهدف من أعتى عدو في العالم آنذاك، فاستجاب الصادقون خفافًا وثقالًا رغم المكاره، وأطاعوا أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في تقديرٍ شجاع لخطورة الموقف، وتحملٍ نادر لجسامة المسؤولية؛ فمن المسلمين من سارع فجهَّز نفسه وغيره، ومنهم من لم يجد إلا تجهيز نفسه فقط، ومنهم من لم يجد ما يجهز به نفسه ولا ما يجهزه به غيره؛ فما كان منهم إلا أن {تّوّلَّوًا وأّعًيٍنٍهٍمً تّفٌيضٍ مٌنّ الدَّمًعٌ حّزّنْا أّلاَّ يّجٌدٍوا مّا يٍنفٌقٍونّ} [التوبة: 92] ، غير أن هناك من وجد النفقة وتكاليف الجهاز للحرب، إلا أنه لم يجد الرغبة في الالتحاق بالجيش المحارب، انسياقًا مع أماني النفس في الأمان والراحة، والسلامة والدعة. وهم مع ذلك لم يكونوا من الخائنين ولا الكاذبين رغم قعودهم، في حين أن غيرهم خرجوا كاذبين خائنين، التمسوا في الخروج مع الجيش ساعة تربص بالمسلمين، أو توهين لعزائمهم وحط من علو نفوسهم (1) .
كان النفاق يتوق إلى يوم تتهاوى فيه قلعة الإسلام وتسقط راياته، ودلت أحداث الغزوة أن ذلك الأمل اليائس لم يفارق دخيلة القوم، القاعدين منهم والخارجين، حيث لم يقلَّ شر الخارجين عن شر القاعدين، فأما القاعدون وعلى رأسهم رأس النفاق ابن سلول، فبدلًا من أن يشدوا أزر المجاهدين المستجيبين لله وللرسول - صلى الله عليه وسلم - أو يسكتوا على الأقل، إذا بهم يُدخلون عليهم الغموم والهموم بمواقف التحزين وكلمات التخذيل وسوء الظنون.
وهذه ومضات مظلمة من بعض مواقف المنافقين في ذلك الظرف القاهر الحرج:
* تحادث قوم من القاعدين بغير عذر في المدينة متهكمين على المسلمين، فقال أحدهم: «يغزو محمد بني الأصفر (أي الروم) والله! لكأني أنظر إلى أصحابه مقرنين في الحبال» (2) .
* لما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - عليًا ـ رضي الله عنه ـ في المدينة ليخلفه في أهله قال المنافقون: «ما خلَّفه إلا استثقالًا له وتخففًا منه» . ليشيعوا الفرقة والفتنة بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وخاصة أصحابه وأهل بيته، وقد أحزن ذلك عليًا وأدخل الغم على نفسه لما بلغه ذلك (3) .
* ضلت ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - ببعض الطريق أثناء السير إلى تبوك، فأرسل بعض أصحابه في طلبها، فقال أحد المنافقين: «هذا محمد يخبركم أنه نبي ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته» ! (4) .
* أشار جمع من المنافقين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم ساخرًا: «أتحسبون جِلادَ بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضًا؟ والله لكأنكم تأتون غدًا مقرَّنين» (1) . ولما بلغت مقولتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: {إنَّمّا كٍنَّا نّخٍوضٍ ونّلًعّبٍ} [التوبة: 65] ، فأنزل الله - تعالى - خبيئتهم وأظهر فضيحتهم فقال: {قٍلً أّبٌاللَّهٌ وآيّاتٌهٌ ورّسٍولٌهٌ كٍنتٍمً تّسًتّهًزٌءٍونّ * لا تّعًتّذٌرٍوا قّدً كّفّرًتٍمً بّعًدّ إيمّانٌكٍمً} [التوبة: 65، 66] .
* بينما كان حذيفة رضي الله عنه آخذًا بخطام ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمار بن ياسر يسوقها، إذا باثني عشر رجلًا يعترضون الناقة برواحلهم، مزاحمين الرسول - صلى الله عليه وسلم - رغبة في إسقاطه عن راحلته ليتخلصوا منه، فصاح فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فانبهتوا وتفرقوا، فقال ـ - عليه الصلاة والسلام - ـ لأصحابه: «أتدرون من هؤلاء؟ فقالوا: لا، يارسول الله، قد كانوا ملثمين» فقال: «هؤلاء المنافقون يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟ » قالوا: «لا» فقال: «أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة فيلقوه فيها» فقال الصحابة للرسول - صلى الله عليه وسلم: «أو لا نبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ » قال: «لا، أكره أن يتحدث العرب أن محمدًا قاتل بقومه، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم» ، وهم الذين أنزل الله ـ - تعالى - ـ فيهم (وهمّوا بما لم ينالوا. وما نقموا إلا أن أغناهم الله من فضله {وهّمٍَوا بٌمّا لّمً يّنّالٍوا ومّا نّقّمٍوا إلاَّ أّنً أّغًنّاهٍمٍ اللَّهٍ ورّسٍولٍهٍ مٌن فّضًلٌهٌ} [التوبة: 74] (2) .
* وتجيء قصة مسجد الضرار (3) لتبين أن النفاق لابد أن يتخذ له أوكارًا تضمن له أن يرصد منها ويدبر فيها كل ما تحتاجه حملات وجولات العداوة للدين وأهله {والَّذٌينّ اتَّخّذٍوا مّسًجٌدْا ضٌرّارْا وكٍفًرْا وتّفًرٌيقْا بّيًنّ المٍؤًمٌنٌينّ وإرًصّادْا لٌَمّنً حّارّبّ اللَّهّ ورّسٍولّهٍ مٌن قّبًلٍ ولّيّحًلٌفٍنَّ إنً أّرّدًنّا إلاَّ الحٍسًنّى واللَّهٍ يّشًهّدٍ إنَّهٍمً لّكّاذٌبٍونّ} [التوبة: 107] .