رُبط تحقيق النصر لأهل الإسلام بتحقيق الإيمان ونصرة الدين. قال - تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} [محمد: 7] ، وقال: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده} [آل عمران: 160] ، وقال: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} [الحج: 40] ، وقال: {ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين} [الروم: 47] ، وقال: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} [الحج: 39، 40] ، ونصرة الدين تتضمن الامتثال له، والقيام به، ووحدة الصف من أجله والصبر عليه، والجهاد في سبيله.
وأخيرًا: لا بد أن يعلم الناس أن هذا الدين منصور، وأن الله - تعالى - قد قيَّض له طائفة لا يخلو منها زمان إلى آخر الزمان، ومن صفات هذه الطائفة:
1 -أنها على الحق والسنة.
2 -أنها ظاهرة على هذا الحق معلنة به.
3 -أنها منصورة بالحق مقاتلة عليه.
4 -أنها محفوفة بمن يسلمونها ويخذلونها.
5 -أنها محاطة بالمخالفين.
6 -أنها لا يضرها هذا الخذلان وتلك المخالفة.
7 -أنها جامعة لشرائح مختلفة من الأمة.
8 -أن الله يبعث منها المجددين للدين.
9 -أنها لا تنحصر بمكان واحد؛ ولكن تتنقل عبر الزمان في أكثر من مكان.
10 -أنها باقية إلى يوم القيامة. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لا تزال عصابة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» (8) .
إن كل السنن الإلهية المذكورة، وغيرها كثير تحققت بشأنها أقدار ووقائع، وتواريخ وحوادث هي من (أيام الله) وقد مضت بها سنة الأولين وستمضي عليها سنن الآخرين، وقد ظل الإسلام عزيزًا شامخًا، وسيبقى كذلك إلى ما شاء الله؛ فلنتدارس هذه الأيام والسنن، ولنذكِّر الناس بها، فالخوف ليس على الإسلام، ولكن على من يتخلف عن ركب الإسلام.
والله الهادي إلى سواء السبيل.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير ابن كثير، (1/522) .
(2) تفسير القرطبي، (9/342) .
(3) تفسير الطبري، (7/122) .
(4) أخرجه: مسلم، رقم (1844) ، وأحمد (11/47) .
(5) أخرجه مسلم، رقم (118) ، والترمذي، رقم (2196) .
(6) انظر هذا المعنى في تفسير ابن كثير، (2/554) .
(7) انظر: تفسير ابن كثير، (2/331) .
(8) أخرجه مسلم، رقم (1037) .
وجوب العمل بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وكفر من أنكرها
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد المرسل رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، وعلى آله وأصحابه الذين حملوا كتاب ربهم - سبحانه -، وسنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - إلى من بعدهم، بغاية الأمانة والإتقان، والحفظ التام للمعاني والألفاظ - رضي الله عنهم - وأرضاهم وجعلنا من أتباعهم بإحسان.
أما بعد: فقد أجمع العلماء قديمًا وحديثًا على أن الأصول المعتبرة في إثبات الأحكام، وبيان الحلال والحرام في كتاب الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وثم سنة رسول الله - عليه الصلاة والسلام - الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، ثم إجماع علماء الأمة واختلف العلماء في أصول أخرى أهمها القياس، وجمهور أهل العلم على أنه حجة إذا استوفى شروطه المعتبرة، والأدلة على هذه الأصول أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر.
أما الأصل الأول: فهو كتاب الله العزيز، وقد دل كلام ربنا - عز وجل - في مواضع من كتابه على وجوب اتباع هذا الكتاب والتمسك به، والوقوف عند حدوده، قال - تعالى: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلًا ما تذكرون) (الأعراف/3) ، وقال - تعالى: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون) (الأنعام/ 105) . وقال - تعالى: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم) (المائدة/ 15 16) . وقال - تعالى: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) (فصلت/ 41 42) . وقال - تعالى: (وأوحي إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ) (الأنعام/ 19) . وقال - تعالى: (هذا بلاغ للناس ولينذروا به) (إبراهيم/ 52) .
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقد جاءت الأحاديث الصحاح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آمرة بالتمسك بالقرآن والاعتصام به، دالة على أن من تمسك به كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلال، ومن ذلك ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: في خطبته في حجة الوداع: (إني تارك فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به كتاب الله) رواه مسلم في صحيحه، وفي صحيح مسلم أيضًا عن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به(، فحث على كتاب الله، ورغب فيه، ثم قال:(وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي) ، وفي لفظ قال: (في القرآن هو حبل الله من تمسك به كان على الهدى ومن تركه كان على الضلال) .