الصفحة 3479 من 3812

وعندما سقط تمثال حاكم العراق السابق في وسط بغداد، كان كل من له عقل رشيد سليم، يعلم أن احتلال العراق ليس نزهة يتمتع بها العدو المغتصب، لأن العراق هو العراق في القديم وفي الحديث، وإلي ذلك أشار الكاتب، بهذا العنوان صباح سقوط بغداد:

و بقي العراق!

ولقد أثبت الشعب العراقي أنه باق، لم تخضع الأسلحة الفتاكة ولا الجيوش المتوحشة، والمشاهد هو البرهان...

اعتدى العدو الأجنبي الظالم على الشعب العراقي في بلده، فوقف وقفة المعتدى عليه المظلوم، خذله إخوانه وأهله المحيطون به، فلا نصير له إلا ربه، ثم إيمانه وجهاده وصبره ومصابرته، وتلك هي أسس عوامل نصره...

واليوم عرف المعتدون أنهم في ورطة لم يكونوا يتوقعونها، ولم تنبئهم بها استخباراتهم وأقمارهم التجسسية، لأن القوة العراقية لم تكن تحت ضوء الشمس حتى تنقل لهم استخباراتهم وجواسيسهم صورها، وإنما كانت في نفوس العراقيين وقلوبهم، فأبانت عن نفسها في وقتها!

اليوم عادت الطائرات الحربية والصواريخ والأسلحة الثقيلة تدمر على أهل العراق بيوتهم، وتقتلهم قتلا جماعيا في شوارعهم وأسواقهم ومنازلهم ومستشفياتهم ومساجدهم، لا تفرق بين كبير وصغير وامرأة ورجل... وهم يناشدون إخوانهم العرب والمسلمين والجامعة العربية وهيئة الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي أن يستنكروا [فقط] ظلم حكام أمريكا وعدوانهم، فلم يجدوا من تلك المؤسسات من يستجيب لندائهم...

اليوم نقول لك يا شعب العراق، لا تنتظر من أولئك كلهم نصرا، فقد سبقك الشعب الفلسطيني الذي ينادي هذه النداءات منذ أكثر من خمسين عاما، ولم يتلق إلا الخذلان، لأن أمريكا قد قالت لهم جميعا، كما قال فرعون:"أنا ربكم الأعلى"

ولم يبق لك أيها الشعب إلا توكلك على ربك واللجوء إليه ونصح كل رجل وكل امرأة وكل طفل، أن يتقربوا إلى الله بالصلاة والدعاء ليلا ونهارا، بأن ينزل الله عقابه بالمعتدين الظالمين، وهذا ما يجب أن يفعله جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ولا بيد أن يستجيب الله دعاء المظلومين، وينصرهم على الظالمين، كما نصر رسله على أممهم المعتدين، من نوح - عليه السلام - إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -... وفي قصصهم القرآني آيات وآيات:

"وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد""وانصرنا على القوم الكافرين"وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) وقال لمعاذ العالم الصحابي الجليل: (واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب) وفي الاتحاد السوفييتي عبرة...

فأكثروا من دعاء الله والاستعانة به، واتخذوا ما تملكون من أسباب الدفاع عن نفوسكم ودينكم وذريتكم وأموالكم، وأبشروا بنصر ربكم، فأنتم بلادكم وعدوكم زبد طارئ عليكم:

"فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ" [الرعد (17) ]

الرسالة الثاني: إلى الشعوب الإسلامية وحكامها:

أيتها الشعوب الإسلامية، إن العدو الصليبي الجديد، والعدو اليهودي الأثيم، مصممان على هذه الحملة الظالمة المتجبرة على عدوانهما عليكم وعلى دينكم الذي سموه"العدو الأخضر"بعد قضائهم على الاتحاد السوفييتي الذي كانوا يسمون"العدو الأحمر"ولسنا في حاجة إلى إقامة البينات على هذا التصميم وهذا العدوان، فسماؤنا، وأرضنا ورمالنا وصحارينا وودياننا وجبالنا، وبحارنا وأنهارنا، ومساجدنا وعلماؤنا ونساؤنا وأطفالنا، ومستشفياتنا، كلها تؤذن وتسمعنا أذانها كل حين، بهذا العدوان السافر...

وإن ما يقع في فلسطين والعراق وأفغانستان، في طريقه إلى كل بلد إسلامي، وبخاصة البلدان العربية، التي هي أرض الرسالات وقلب الأمة الإسلامية، ولولا أن الله وفق الشعب العراقي المسلم الشجاع، أن يقف أمام المعتدين هذا الموقف الجهادي العظيم، لكان المعتدون قد ألحقوا به شعوبا أخرى مجاورة...

وهذا يوجب على علماء الأمة الإسلامية وحكامها ومفكريها وعقلائها، أن يتنبهوا لهذا الخطر الداهم، ويبصروا الأمة بالعواقب الوخيمة التي ستنزل بهم إذا استكانوا وتنازعوا فيما بينهم ذلك التنازع الذي ذكر الله - تعالى - ما يترتب عليه، من الذل والهوان وذهاب القوة:"وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" [الأنفال (46) ]

فنحن جميعا في سفينة النجاة أو الهلاك، سفينة النجاة إذا تعاونا على البر والتقوى وتناصحنا فيما بيننا تناصح صدق ووفاق، لا كلام ألسن ونفاق، فلا نجاة إلا بالنصح والصدق والوئام...

وسفينة هلاك إذا نحن نأينا بأنفسنا عن النصح والتعاون على البر والتقوى، وبقينا ننظر إلى هذا السيل الجارف الذي يريد أن يحطم كل السدود التي تغرقنا وتغرق سفينتنا، أشد مما أغرق سيلُ العرم أهلَ سبأ، وذلك الزلزال المدمر الذي سيعم تدميره ولا يخص:

"وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" [الأنفال (25) ]

ارجعوا إلى ربكم، وفتشوا عن عيوبكم، وأصلحوا شأنكم، أنفسكم واقضوا على كل فساد حل بدياركم، ما دام في الوقت سعة، ولا تنتظروا ما ينادي به عدوكم من الصلاح، فهو لا يريد إلا مزيدا من فساد هذه الأمة.

اعرفوا الله في الرخاء يعرفكم في الشدة، ولا تستجيبوا لما يريده بكم عدوكم، من التفريق بينكم، واتخاذه بعضكم سلما للسيطرة عليكم، كما فعل بغيركم قبلكم...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت