الصفحة 349 من 3812

وخلفه الشيخ الزاهد الفقيه محمد بن أحمد الدباهي. قالوا: (لازم العبادة، والعمل الدائم والجد، واستغرق أوقاته في الخير.. صَلْبٌ في الدين، وينصح الإخوان، وإذا رآه إنسان: عرف الجد في وجهه) .

وهكذا يجب أن تكون دائمًا علامة الدعاة سيماهم في الجد ظاهرة في وجوههم، لا يخطؤها النظر. ليس لهم نصيب من الهزل والضحك والبطالة.

ـــــــــــــــ

محمد أحمد الراشد: بتصرف يسير

الطاعة في الدعوة

عن أبي الوليد عبادة ابن الصامت رضي الله عنه قال:"بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله تعالى فيه برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم" [رواه البخاري ومسلم] .

فأول بند في بيعة الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم كان يتحدث عن السمع والطاعة. ويصف هذه الطاعة بصفات محددة لا تتجلى الطاعة إلا فيها، فالدعوة تحتاج من جنودها طاعة لا تمتزج فيها الأهواء، ولا تؤثر فيها الأمزجة، ولا تغيرها حالات العسر واليسر التي يمر بها الداعية كأي إنسان يعيش على هذه الأرض، طاعة مطلقة مادامت في طاعة الله، حتى وإن كانت تلك الأوامر مما تكره النفوس، أو هي معاكسة للآراء والأهواء (في المنشط والمكره) ، فالمنشط واليسر لا يدلان أبدًا على درجة طاعة الدعاة؛ لأن طاعة آنذاك سهلة على النفوس، إنما تبرز الطاعة الحقة لمتطلبات الدعوة، حينما تكون في العسر والمكره. على مثل هذا اللون من الطاعة بايع الرعيل الأول من الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم.

سعد يتذكر البيعة:

وفي اللحظات الحرجة التي مر بها الرسول صلى الله عليه وسلم قبيل معركة بدر، وهو يعلم أن قريشًا يعدون له العدة لملاقاته في أول معركة بين الحق والباطل وهو لا يملك إلا نفسه والمهاجرين، فكان يردد:"أشيروا عليَّ أيها الناس"، وكان الذي يرد عليه أصحابه من المهاجرين، فكلما انتهى أحدهم من بيان الاستعداد الخوض المعركة، كرر نفس السؤال"أشيروا عليَّ أيها الناس". هنا تنبه أحد قادة الأنصار الصحابي الجليل الذي اهتز له العرش عند موته"سعد بن معاذ"وقال له:"والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل قال: فقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا، ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد".

وقول سعد رضي الله عنه:"والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟"ينبئ بأن سعدًا لم يظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يريد جواب الأنصار على سؤاله المتكرر، لأن نصوص البيعة لا تلزم الأنصار بالحرب مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وحمايته خارج المدينة، بل أنه اعتقد بأن أجوبة المهاجرين المتكررة كانت تمثل الجميع بما فيهم الأنصار، فلا داعي لسماع أجوبة الطرفين، ماداموا جميعًا يمثلون"كتلة المؤمنين". وفهم منذ البيعة الأولى التي تحدث عنها عبادة الصامت، بأنها تقتضي بأن يبيعوا بذلك الأموال والأنفس في سبيل الله، لا يخافون في الله لومة لائم، وأنهم يخوضون غمرات الموت في سبيل الله، ولا أدل على ذلك من قوله:"فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد". ومن المعروف أن الصحابة كان معظمهم لا يعرف السباحة، ولكنها الطاعة التي فهموها منذ اللحظات الأولى من البيعة.

دقة الجندية الإسلامية:

قال جندب بن مكيث الجهيني: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الكلبي إلى بني الملوح بالكديد، وأمره أن يغير عليهم وكنت في سريته، فمضينا حتى إذا كنا بالقديد.. فعمدت إلى تل يطلعني على الحاضر، فانبطحت عليه، وذلك قبل غروب الشمس، فخرج رجل منهم فنظر فرآني منبطحا على التل، فقال لامرأته: إني لأرى سوادًا على هذا التل ما رأيته في أول النهار، فانظري لا تكون الكلاب اجترت بعض أوعيتك. فنظرت فقالت: والله ما أفقد منها شيئًا. قال: فناوليني قوسي وسهمين من نبلي، فناولته فرماني بسهم في جنبي، أو قال في جبيني، فنزعته فوضعته ولم أتحرك، ثم رماني بالآخر فوضعه في رأس منكبي فنزعته فوضعته ولم أتحرك، فقال لامرأته: أمَا والله لقد خالطه سهماي، ولو كان ريبة لتحرك، فإذا أصبحت فابتغي سهمي فخذيهما لا تمضغهما عليَّ الكلاب. قال: فأمهلنا حتى إذا راحت روايحهم وحتى احتلبوا وعطنوا وسكنوا، وذهبت عتمة من الليل شننا عليهم الغارة، فقتلنا واستقنا النعم". [البداية والنهاية 4/223] ."

إنها مثال الدقة بالطاعة والتحمل من أجل تنفيذ أوامر القيادة، فلو تحرك ربما فسد كل شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت