الصفحة 350 من 3812

وفي غزوة الخندق قال حذيفة رضي الله عنه:"لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب. وأخذتنا ريح شديدة وقر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟) فسكتنا فلم يجبه منا أحد. ثم قال (ألا برجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟) فسكتنا فلم يجبه منا أحد. ثم قال (ألا برجل يأتينا بخبر القوم ، جعله الله معي يوم القيامة؟) فسكتنا فلم يجبه منا أحد فقال (قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم) فلم أجد بدًّا، إذ دعاني باسمي، أن أقوم. قال (اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي) فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يصلى ظهره بالنار فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرميه فذكرت قول رسول الله (ولا تذعرهم علي) ولو رميته لأصبته فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم، وفرغت، قررت. فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها فلم أزل نائما حتى أصبحت فلما أصبحت قال (قم يا نومان". [رواه مسلم] .

لقد كانت ليلة من أشد ليالي الشتاء بردًا وظلمة، مما جعل الصحابة رضي الله عنهم لا يقومون عندما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ألا رجل يأتيني بخبر القوم؟" [رواه مسلم] . ولكنه عندما وجه الأمر لأحدهم وهو حذيفة امتثل حالًا، ودونما تردد، وهو يعلم مشقة المهمة المرسل إليها، ويعلم أن نفسه تأبى الخروج في مثل هذه الليلة الشديدة البرد، ثم ترد دقة حذيفة رضي الله عنه في التنفيذ، إنه يرى أبا سفيان قائد جيوش الأحزاب بارزًا أمامه دون حائل، ويكاد أن يقتله، ولكنه يتذكر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتوقف عن الاجتهاد بما لم يؤمر به، لئلا يؤدي اجتهاده إلى ردود فعل غير متوقعة، أو إلى نتائج سلبية غير ما كان يرجو.

إن كثيرًا من الخطط يصيبها الارتباك وكثيرا ما يصيبها الفشل بسبب اجتهاد القائمين على التنفيذ بغير ما أمروا به، فيجرون على أنفسهم ومن معهم من البلاء الذي لم يُخَطط لمواجهته الكثير الكثير، بسبب اجتهاداتهم وخروجهم عمَّا أمروا به زيادة أو نقصًا أو تجديدًا كاملًا، يختلف تمامًا من الأوامر الأصلية.

الطاعة لماذا؟

إن طاعة القائمين على الدعوة مطلب متأكد إذ إن طاعة أمير الدعوة من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أطاع الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله، كما ذكر ذلك في الحديث الشريف:"من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصيني فقد عصى الله، ومن يطع أميري فقد أطاعني، ومن يعصي أميري فقد عصاني" [رواه مسلم] .

وليس مهمًا أن يكون الأمير فلان بن فلان أو فلان بن علان مادام يأمر بالحق وينقاد إليه، ذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"اسمع وأطع ولو لعبد حبشي كأن رأسه زبيبة" [رواه البخاري] . وما ذاك إلا لأهمية الطاعة في حياة المجموعة، ليسهل سيرها، وتحقيق أهدافها"فالسمع والطاعة، من أهم حقوق القيادة في كل زمان ومكان، إذ بغير السمع والطاعة لا يمكن الضبط والربط، كما لا يمكن تكوين جيش رادع لعدوه، يدافع عن وطنه، وبغير السمع والطاعة تكون الفوضى التي لا نظام فيها، والاضطراب الذي لا استقرار معه".

حدود الطاعة:

عن علي بن أبي طالب قال:"استعمل النبي صلى الله عليه وسلم - رجلًا من الأنصار على سرية بعثهم وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا قال: فاغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطبا. فجمعوا فقال: أوقدوا نارًا فأوقدوا"، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى. قال: فادخلوها. قال: فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار. قال: فسكن غضبه وطفئت النار، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف". [رواه البخاري] ."

فالرسول صلى الله عليه وسلم يبين هنا حدود الطاعة، وهي ما كان بالمعروف، فإذا خرجت عن دائرة المعروف، وانتقلت إلى ما يغضب الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وعندما تسلم أبو بكر رضي الله عنه الخلافة قال في خطبته:"أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم". وهنا يحدد الصديق حدود طاعة الشعب لخليفتهم كما فهمها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي ليست طاعة عمياء، إنما طاعة فيما أمر به الله أو ما هو في ضمن المعروف، أما إن خرجت عن المعروف فلا طاعة، فإذا أمر الخليفة أو المسؤول الأول في الدولة الشعب بمعصية بينة فلا طاعة للشعب له بذلك. وهكذا كل من له حق الطاعة من والد أو زوج أو غيره كلهم تجمعهم القاعدة الأصيلة والمبدأ العام أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

غياب الطاعة لماذا؟

الواقع الملموس يدل على تفريط كبير وعدم انصياعية عند كثير من المنتسبين إلى الدعوة، ولعل ذلك يرجع إلى عدة عوامل، منها:

أولا: غياب العمل المؤسسي المنظم والمتكامل عند كثير من أهل الدعوة.

ثانيا: عدم التربية على الطاعة منذ الصغر، فينشا الإنسان على ما تربي عليه.

ثالثا: الرغبة في التفلت خوفا من الالتزام وتحميل النفس الأعمال والأعباء التي تنتج عن الطاعة.

رابعا: اتباع هوى النفس وعدم الرغبة في الرضوخ لآراء الآخرين واعتداد كل شخص برأيه.

إن العمل الارتجالي لا يؤدي إلى ثمرة نافعة ولا يرجى من ورائه كبير فائدة، ولابد من وجود هيئات للتخطيط، وصف كامل للعمل يلتزم الطاعة التامة في المعروف، وإلا سنظل ندور في حلقة مفرغة ونزداد تخلفا عن الركب يوما بعد يوم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت