الصفحة 359 من 3812

هذه النوعية من البشر رباها محمد صلى الله عليه وسلم بالإيمان حتى صارت لا تعبد إلا الله ولا تغضب إلا لله، ولا تفعل إلا له وبه، وإلا لدينه ولرسوله.

لقد ظل رسول الله سنوات يدعوهم ويربيهم ما يدع فرصة إلا ويرسخ في أذهانهم أن الأمر كله لله والكون كله لله، من خلال الأقوال والأفعال والمواقف.

فقد روى البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية، على إثر سماء كانت من الليلة، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس، فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم. قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب.

وفي كتاب السنة لابن أبي عاصم ومشكاة المصابيح:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى حنين، مر بشجرة للمشركين، يقال لها: ذات أنواط، يعلقون عليها أسلحتهم، ويعكفون حولها؛ قالوا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله وفي رواية: الله أكبر! هذا كما قال قوم موسى: (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) ، والذي نفسي بيده؛ لتركبن سنة من كان قبلكم سنة سنة".

هذه التربية هي التي أخرجت المحبين لله ولرسوله كما ذكر ابن كثير في تفسير قوله تعالى:"لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء"قال:"ودخل أبو بكر الصديق بيت المدراس على يهود فوجد منهم ناسا كثيرا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم ومعه حبر من أحبارهم يقال له أشيع فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك يا فنحاص اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدا لرسول الله قد جاءكم بالحق من عنده تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل، فقال فنحاص لأبي بكر والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر وأنه إلينا لفقير وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء وما هو عنا بغني؛ ولو كان عنا غنيا ما استقرضنا أموالنا، كما يزعم صاحبكم ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان عنا غنيا ما أعطانا الربا . قال فغضب أبو بكر فضرب وجه فنحاص ضربا شديدا، وقال والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت رأسك، أي عدو الله . قال فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ما حملك على ما صنعت؟ فقال أبو بكر يارسول الله إن عدو الله قال قولا عظيما، إنه زعم أن الله فقير وأنهم أغنياء فلما قال ذلك غضبت لله مما قال وضربت وجهه . فجحد ذلك فنحاص وقال ما قلت ذلك . فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص ردًّا عليه وتصديقا لأبي بكر (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق ) ."

فانظر كيف أن أبا بكر لم يستطع أن يتحمل سماع تنقص الرب تعالى حتى تفاعل لها وغضب لربه تعالى وانظر كم يسب الله علانية في زماننا ولا يتحرك لنا ساكن.

نحن في أشد الحاجة والله لأن نتربى على العقيدة، ونربي عليها أبناءنا؛ لأنهم العدة والمستقبل وعلى حسب تنشئتهم ستكون حال الأمة

الدعوة إلى رعاية المسنين

الإنسان الضعيف سواء في جسمه أو عقله يحتاج إلى عون الآخرين من الأصحاء حتى يقفوا معه ويشدوا من أزره، والإسلام جاء بمبادئه العظيمة في هذا الجانب، ففي الحديث الصحيح: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) رواه مسلم.

والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم حث على رحمة الصغير، وتوقير الكبير؛ حيث قال: ( ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقَّر كبيرنا، ويأمر بالمعروف ، وينْهَ عن المنكر ) (رواه الترمذي وأحمد) .

بل خص الكبير بمزيد الرعاية فقال: ( إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم ) (رواه أبو داود)

ولما أهمل الناس اليوم الكثير من القيم والمبادئ العظيمة الجليلة، ووجد التقاطع وانتشر العقوق، ووجدت دور ومؤسسات لرعاية المسنين، لزم التذكير ببعض الجوانب المهمة، فعقدت المؤتمرات، وأقيمت الندوات، وتحرك الدعاة والمصلحون، والكل ينادي رفقا بالآباء والأمهات والمسنين والمسنات:

ونحن من خلال هذا المقال نتناول بعض الجوانب المتعلقة بهذا الشأن:

أولًا- أهمية الموضوع:

إضافة إلى ما سبق تأتي أهمية تناول هذا الموضوع كونه عبادة من العبادات التي يُتقرب بها إلى الله، فدين الإسلام يحث على احترام الكبير ورعايته والاهتمام به، وخاصة إذا كان من ذوي القربى، وهو في حال الكبر التي هي مظنة الإهمال والضجر والغضب، ولذلك جاء التنبيه من عند الخالق سبحانه ملفتا للأنظار، وموجها للأبناء: ( إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما: أف ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربِ ارحمهما كما ربياني صغيرًا) . (الإسراء: 23 - 24) .

ومما يزيد الأمر أهمية وجود التفريط لدى بعض المجتمعات نحو رعاية المسنين.

ثانيا- مجالات الاهتمام والرعاية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت