فتأمل كيف كان حمله - صلى الله عليه وسلم - لهمّ الدعوة حتى بلغ هذا المبلغ العظيم وحتى خاطبه ربه بقوله الكريم: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا} ، قال السعدي في تفسيره [ص470] :"فلعلك باخع نفسك: أي مهلكها غمًا وأسفًا عليهم".
وهل لك - أخي الداعية - أن تتصور عظمة الهم الذي حمله أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - فكان مؤججًا لحماسته ومفجرًا لطاقته حتى وأد الفتنة وقمع الردة وابتدأ الفتوح؟، ولا يخفى على أحد شهرة عمر - رضي الله عنه - بالهمّ الذي كان يحملها تجاه رعيته فأورثه عدلًا قلّ نظيره، وبذلًا أتعب من بعده، وعلى هذا كان الرعيل الأول من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ولقد سألت عَائِشَةُ - رضي الله عنها - اِلنَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم: (هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) رواه الشيخان، فلله رسول الله ما أعظم همّه الذي ولد طاقته التي لا مطمح لبلوغها!
وإن الدعاة المشهورين في عصرنا الحديث إنما بعث همتهم للعمل والإصلاح حزن عميق على ما آلت إليه أحوال الأمة من ضعف أبنائها وتسلط أعدائها فهذا البشير الإبراهيمي وعبد الحميد بن باديس يسهران كل ليلة بمنزل الإبراهيمي يتدارسان أوضاع المجتمع الجزائري، وما أصابه من بلاء الاستعمار والجهل والانحراف الديني، ويبحثان في الوقت ذاته عن الوسائل التي يمكن أن تستخدم للنهوض بالبلاد والعباد، فكان لتلك الليالي شرف ميلاد (فكرة إنشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) التي لم تتحقق على أرض الواقع إلا سنة 1931م، وعن تلك الليالي يقول الإبراهيمي:"... وأشهد الله على أن تلك الليالي من سنة 1913م هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين...". [البشير الإبراهيمي نضاله وأدبه، ص37] ، فانظر الهمّ كيف أثمر الحرقة ومن بعدها تولدت الحركة فتبلورت الفكرة ثم تحركت قاطرة الدعوة.
وهذا علم الدعاة حسن البنا يصور همّه في بواكير شبابه عندما اجتاحت مصر موجة الإلحاد والإباحية فيقول:"وكنت متألمًا لهذا أشد الألم، فها أنا ذا أرى أن الأمة المصرية العزيزة تتأرجح حياته الاجتماعية بين إسلامها الغالي العزيز الذي ورثته وحمته وألفته وعاشت به واعتز بها أربعة عشر قرنًا كاملة، وبين هذا الغزو الغربي العنيف المسلح المجهز بكل الأسلحة الماضية الفتاكة من المال والجاه والمظهر والمتعة والقوة ووسائل الدعاية، وكان ينفس عن نفسي بعض الشيء الإفضاء بهذا الشعور إلى كثير من الأصدقاء الخلصاء... كما كان ينفس عن نفسي كذلك التردد على المكتبة السلفية... حيث نلقى الرجل المؤمن المجاهد العامل القوي العالم الفاضل والصحفي الإسلامي القدير السيد محب الدين الخطيب، ونلتقي بجمهرة من أعلام الفضلاء المعروفين بغيرتهم الإسلامية وحميتهم الدينية"، ثم يحكي قصة ذهابه إلى الشيخ يوسف الدجوي في هذا الشأن وما رد به عليه ويعلق على ذلك قائلًا:"لم يعجبني طبعًا هذا القول وأخذتني فورة الحماسة وتمثل أمامي شبح الإخفاق المرعب إذا كان هذا الجواب سيكون جواب كل من ألقى من هؤلاء القادة فقلت له في قوة: إنني أخالفك يا سيدي كل المخالفة في هذا الذي تقول، وأعتقد أن الأمر لا يعدو أن يكون ضعفًا فقط، وقعودًا عن العمل، وهروبًا من التبعات، من أي شيء تخافون؟، من الحكومة أو الأزهر؟، يكفيكم معاشكم واقعدوا في بيوتكم واعملوا للإسلام، فالشعب معكم في الحقيقة لو واجهتموه، لأنه شعب مسلم، وقد عرفته في القهاوي وفي المساجد وفي الشوارع فرأيته يفيض إيمانًا ولكنه قوة مهملة، إن هؤلاء الملحدين والإباحيين وجرائدهم ومجلاتهم لا قيام لها إلا في غفلتكم ولو تنبهتم لدخلوا جحورهم، يا أستاذ إن لم تريدوا أن تعملوا لله فاعملوا للدنيا وللرغيف الذي تأكلون، فإنه إذا ضاع الإسلام في هذه الأمة ضاع الأزهر، وضاع العلماء فلا تجدون ما تأكلون، ولا ما تنفقون، فدافعوا عن كيانكم إن لم تدافعوا عن كيان الإسلام، واعملوا للدنيا إن لم تريدوا أن تعملوا للآخرة، وإلا فقد ضاعت دنياكم وآخرتكم على السواء". [مذكرات الدعوة والداعية، ص52] ، فهل مثل هذا الهمّ والغيرة والحماسة يحتاج إلى تعليق؟