ومنهم: عامر بن شراحيل الهمداني الشَّعْبي، من كبار التابعين رأى عليًا رضي الله عنه وصلى خلفه، وحدث عن سعد بن أبي وقاص وأبي موسى الأشعري وأبي هريرة وعائشة وعدة من كبار الصحابة. وهو من كبار الفقهاء في عصره، روى ابن سعد عن الحسن البصري عندما سمع بموته قال: إن كان من الإسلام بمكان [12] ، وبعد معركة الحجاج فرَّ الشعبي إلى خراسان، ثم أرسل إلى الحجاج فعفا عنه.
ومنهم: عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الأوسي الإمام العلامة الحافظ، من أكابر تابعي الكوفة، حدث عن عمر وعلي وأبي ذر وابن مسعود وغيرهم، ضربه الحجاج لرفضه سب علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قيل أنه قتل في (دير الجماجم) ، وقيل أنه غرق ليلة دجيل حين اقتحم به فرسه.
ومنهم: أبو البَخْتري الطائي، الفقيه أحد العباد واسمه سعيد بن فيروز، حدث عن أبي برزة الأسلمي وابن عباس وابن عمر، وكان مقدم الصالحين القراء الذين قاموا على الحجاج، وقتل - رحمه الله - في (دير الجماجم) [13] .
ومنهم عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي، وكان فقيهًا كثير الحديث، ولقي كبار الصحابة [14] ، وقد فقد ليلة دجيل.
ومنهم: أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود الهذلي، وأبو الجوزاء الرَّبعي، واسمه أوس بن خالد، أحد كبار العلماء، حدث عن عائشة وابن عباس، قتل يوم الجماجم [15] .
ومنهم: عبد الله بن غالب الجهضمي، من قراء البصرة قاتل في يوم (الزاوية) ومن أقرانه الذين قتلوا في يوم الزاوية من قراء البصرة: عقبة بن عبد الغافر العوذي وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وعقبة بن وساج البرساني [16] .
ومنهم: محمد بن سعد بن أبي وقاص، الإمام الثقة، حدث عن أبيه وأبي الدرداء - رضي الله عنهم -، أسر بعد دير الجماجم، وقتله الحجاج. وذر بن عبد الله وكان من أبلغ الناس في القصص، وغيرهم كثير، وهذا غير الذين فروا من ظلمه وعاشوا بعيدًا عن بلدانهم من أمثال عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، ويروي ابن العماد عن عمرو بن العلاء أنه سمع أعرابيًا كان مختفيًا من الحجاج يقول:
ربما تجزع النفوس لأمر وله فَرجَة كحلّ العقال
فقال أبو عمرو: وما الأمر؟ قال: مات الحجاج [17] .
رحم الله أولئك القراء والعلماء، وقاتل الله الظالمين.
[1] ابن العماد، شذرات الذهب 1/307، والمبير: المهلك.
[2] سير أعلام النبلاء 4/343.
[3] سير أعلام النبلاء 3/377.
[4] يعني حزب علي في معارك الجمل وصفين وليس الشيعة بمعنى الفرقة المعروفة بعدئذ.
[5] البداية والنهاية 9/132.
[6] ابن العماد: شذرات الذهب 1/388.
[7] طبقات ابن سعد 6/279.
[8] الإيمان/ 184.
[9] الطبري 6/347.
[10] سير أعلام النبلاء 4/321.
[11] طبقات ابن سعد 6/257.
[12] المصدر السابق 6/256.
[13] سير أعلام النبلاء 4/280.
[14] شذرات الذهب 1/333.
[15] ابن سعد 7/223.
[16] طبقات خليفة بن خياط/ 205.
[17] شذرات الذهب 2/250.
صناعة الهموم
د. علي بن عمر بادحدح
إن كل عمل يقوم به الإنسان لابد أن يسبقه أو يقارنه توجه أو شعور نفسي، وما من شك أن الشعور النفسي للداعية مهم، إذ هو الباعث على الحركة والعمل، والمحدد للقصد والغاية، والمشاعر النفسية كثيرة التنوع، شديدة التقلب، والحديث عنها يطول، وهذه المقالة مخصوصة ببعض المشاعر النفسية المؤثرة في مجال الدعوة.
إن الدعوة تحتاج إلى عزيمة فتية ماضية، وانطلاقة قوية، وذلك يحتاج إلى شعور عظيم بالأهمية، وإحساس كبير بالواجب، ليكون ذلك وقودًا محركًا وطاقة مشغلة، فلا يكون فتور ولا انقطاع، ولا يحصل تردد أو تراجع، ومن ثم فلابد أن يغمر النفس شعور بهمّ الدعوة، وحزن على فوات مصالحها، وألم على عدم تحقيق مقاصدها، والدعوة - ما لم تكن في شعور الداعية - أكبر همه، وأوكد شغله فلا أمل في عزم وانطلاق مناسبين.
إن الدعوة ينبغي أن تكون حاضرة في خطرات فكره، وخفقات قلبه، ولواعج نفسه، بل لابد أن تكون هي تأملات ماضيه، ومعاناة حاضره، وطموحات مستقبله، إنها ينبغي أن تجري مع الدماء وفي عروقه، وأن تختلط مع الهواء في أنفاسه، حتى تملك عليه أقطار نفسه، وتملأ جوانحها.
فهذا سيد الخلق وإمام الدعاة - صلى الله عليه وسلم - كان همّ الدعوة يملأ قلبه ويشغل فكره وقد بلغ به الأمر مبلغًا عظيمًا تنزلت فيه آيات تتلى ليخفف همه ويذهب حزنه {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر 8] ،"الحسرة همّ النفس وشدة الحزن على فوات الأمر" [انظر تفسير ابن عطية، ص1546] [تفسير البغوي، ص1068] ، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما:"لا تغتم ولا تهلك نفسك حسرة على تركهم الإيمان" [تفسير ابن الجوزي، ص1158] ، وهذه تسلية من الله للرسول - صلى الله عليه وسلم -"حتى يدع ما يجيش في قلبه البشري من حرص على هداهم، ومن رؤية الحق الذي جاء به معروفًا بينهم، وهو حرص بشري معروف، يرفق الله برسوله من وقعه في حسه، فيبين له أن هذا ليس من أمره بل من أمر الله،... وهي حالة يعانيها الدعاة كلما أخلصوا في دعوتهم، وأدركوا قيمتها وجمالها وما فيها من الخير ورأوا الناس في الوقت ذاته يصدون عنها ويعرضون" [في ظلال القرآن: 5/2928] .