اشتهر الحجاج في إمرته على العراق بعسفه وظلمه وجبروته وتأخيره للصلوات عن أوقاتها، كما عرف عنه كرهه لآل علي بن أبي طالب ولبني هاشم، قال الذهبي في ترجمته:"أهلكه الله في رمضان سنة خمس وتسعين كهلًا، وكان ظلومًا جبارًا، ناصبيًا خبيثًا، سفاكًا للدماء. وكان ذا إقدام ومكر ودهاء وفصاحة، وقد سقت في سوء سيرته في تاريخي الكبير، وحصاره لابن الزبير وإذلاله لأهل الحرمين، ثم ولايته على العراق وحروب ابن الأشعث له، وتأخيره الصلوات إلى أن استأصله الله، فنسبّه ولا نحبه، بل نبغضه في الله، فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان، وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه، وأمره إلى الله..." [2] ، ويعلق الذهبي أيضًا على حصار الحجاج لابن الزبير فيقول:"بل ليته (ابن الزبير) لا التجأ إلى البيت ولا أحوج أولئك الظلمة والحجاج - لا بارك الله فيه - إلى انتهاك حرمة بيت الله وأمنه..." [3] ، وقال ابن كثير في ترجمته:"وقد كان ناصبيًا يبغض عليًا وشيعته [4] في هوى آل مروان، وكان جبارًا عنيدًا، مقدامًا على سفك الدماء بأدنى شبهة، وقد روي عنه ألفاظ بشعة شنيعة، ظاهرها الكفر..." [5] .
وعندما ذكر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز الظلم الذي كان قبل توليه الخلافة ذكر الحجاج فقال:"الوليد بالشام، وقرة بمصر، والحجاج بالعراق، وعثمان بن حيان بالحجاز، امتلأت الأرض والله جورًا" [6] .
ويروي ابن سعد عن إبراهيم النخعي أنه قال:"كفى به عمى أن يعمى الرجل عن أمر الحجاج" [7] ، وقد سجد عندما بشر بموت الحجاج، وينقل ابن تيمية كلام المرجئة ناقدًا لهم، حين يجعلون إيمان الناس كلهم سواء،"بل إيمان الناس كلهم سواء، إيمان السابقين كأبي بكر وعمر، وإيمان أفجر الناس كالحجاج وأبي مسلم الخراساني وغيرهما..." [8] .
وقد يقال هنا إن أهل العراق أهل شقاق وفتنة، ولا يصلح لهم إلا أمثال الحجاج، يقسو عليهم ويؤدبهم، والرد على هذا: إن تطبيق شرع الله بحذافيره، وبعدله ورحمته هو الذي يسكن النفوس ويقمع أهل الشر والبدع، ويرضي أهل الفضل والعلم، الذين يرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مبادىء الإسلام الأساسية، ولا يحتاج الشرع إلى زيادة في العقوبات لردع الناس، ومن قال هذا فقد رمى الشرع بالنقص، وأما الذين يستأنسون بالظلمة، ويزينون لهم أفعالهم، كي يرتعوا معهم في التحكم بالناس فهم الذين يبررون لأمثال هؤلاء الطواغيت أعمالهم، ويدافعون عن الظالمين في كل عصر، كما وقع غلاة المرجئة الذين"تركوا هذا الدين أرق من الثوب السابري"كما يقول الإمام إبراهيم النخعي.
وقد يقال: أليس للحجاج حسنات تذكر؟ ولماذا تذكر السيئات دائمًا، ونقول: نعم، لا يخلو مثله من حسنات ولكنها قليلة مغمورة في بحر ظلمه وقتله للعلماء والأبرياء كما ذكر الذهبي آنفًا، وإن إقامة ساعة من العدل خير من تجييش الجيوش لفتح إقليم واغتنام عدو، وما الفائدة من فتح إقليم إذا خرب الأصل والقاعدة بالظلم والقهر.
وجد كثير من العلماء والقراء والفقهاء فرصة في ثورة عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث لعزل الحجاج، والاستراحة منه، وكان بعضهم هاربًا مختفيًا من الحجاج، وبعضهم قد ضرب وسجن، وكان سبب خروج عبد الرحمن بن محمد أن الحجاج بعث جيشًا بقيادة عبد الرحمن لفتح السند، وقد أدى هذا الجيش مهمته وفتح أقاليم واسعة من تلك البلاد، ولكنه توقف ولم يوغل في الداخل حتى يتعرف الأرض والسكان وحتى يستقر الإسلام في الأقاليم المفتوحة، ولكن الحجاج الحَّ عليهم في التوغل، ووبخّ عبد الرحمن وأنّبه على توقفه وشعر بعض القادة مع عبد الرحمن أن الحجاج يريد أن يدخلهم في مغامرة، فإن نجحوا كان النجاح له أمام الخليفة في دمشق وإن كان الهلاك فقد تخلص منهم، هذا مع كره غالبية هذا الجيش للحجاج، فقرر عبد الرحمن ومن معه العودة للعراق وعزل الحجاج.
التقى عبد الرحمن ومن معه من القراء والفقهاء مع الحجاج في معارك كثيرة وأشهرها الزاوية، دجيل، دير الجماجم... يقول المؤرخ الطبري:"واجتمع أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الثغور بدير الجماجم والقراء من أهل المصرين، اجتمعوا جميعًا على حرب الحجاج، وجمعهم عليه بغضهم والكراهية له" [9] .
وقد جاءت فرصة ثمينة لهؤلاء الثائرين حين عرض عليهم الخليفة عبد الملك أن ينزع الحجاج، وأن يتولى عبد الرحمن أي بلد يشاء، مع العفو عن الخارجين معه، ويذكر الطبري أن عبد الرحمن رأى مصلحة في ذلك، ولكن جنده أبوا عليه، وهذه غلطة فاحشة لأن معنى ذلك خلع عبد الملك نفسه، ولذلك استمر القتال، وانهزم عبد الرحمن ومن معه في معركة دير الجماجم التي قتل فيها كثير من الفقهاء، والذين نجوا وفروا قتلهم الحجاج بعدئذ وأظن أن الحجاج كان ينظر إلى الشعب وكأنهم عبيد للدولة، فما دامت أعطياتهم تصلهم، ويزيدهم أحيانًا - للمقربين أهل الطاعة - فلِمَ النقد، ولِمَ الأمر بالمعروف، وحواره مع بعض العلماء يدل على ذلك.
ومن العلماء الذين شاركوا وخرجوا مع ابن الأشعث:"سعيد بن جبير، الإمام الحافظ المفسر الشهير" [10] ، روى عن ابن عباس فأكثر، وعن عائشة وعدي ابن حاتم وابن عمر وغيرهم، وكان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يسألونه يقول: تسألوني وفيكم ابن أم الدهماء يعني سعيد بن جبير [11] ، وكان سعيد - رحمه الله - قد فرّ من الحجاج، واستقر في مكة، إلى أن قدم عليها أميرًا خالد بن عبد الله القسري، فقبض على سعيد وبعثه إلى الحجاج فقتله.