لقد ذاقت بريطانيا في أوج تسلطها ضربات موجعة في بحر الخليج العربي من أتباع الدعوة أو من تسميهم بـ «القراصنة الوهابيين» ، كما أن الحركات الجهادية المعاصرة التي أقضّت مضاجع الغرب، ودوّخت الشرق تعدّ امتدادًا لهذه الروح الجهادية.
وقد غَلَب على معشر أهل الإسلام الركون إلى الدنيا وكراهية الموت، وإن اضطر بعضهم إلى الحديث عن الجهاد؛ فيكون بانقباض شديد واختزال مخل، مع تكلف في إيراد الشروط والقيود.. ومن ثم حصلتْ النفرة بين جملة من العلماء والدعاة وبين أهل الجهاد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «وسنام ذلك الجهاد في سبيل الله، فإنه أعلى ما يحبه الله ورسوله، واللائمون عليه كثير؛ إذ كثير من الناس الذين فيهم إيمان يكرهونه، وهم إما مخذِّلون مفتِّرون للهمة والإرادة فيه، وإما مرجفون مضعِّفون للقوة والقدرة عليه، وإن كان ذلك من النفاق» (1) .
إن من يسعى إلى إسلام «وديع» يُرضي الأمريكان، ولا يسخط الرحمن؛ كمن يسعى إلى الجمع بين النقيضين، بين الحق والباطل.
أيها المنكح الثريا سهيلًا *** عمرك الله! كيف يلتقيانِ؟!
هي شامية إذا ما استقلت *** وسهيلٌ إذا استقل يمانِ
استطاع الشيخ محمد بن عبد الوهاب مع الإمام محمد بن سعود وابنه الإمام عبد العزيز - رحمهم الله - أن يقيموا دولة إسلامية في جزيرة العرب، تُحكِّم شرع الله - تعالى -، وتنشر العلم، وتقيم الحدود، وتحقق الأمن، وتُظهر الجهاد في سبيل الله - تعالى -، وتجبي الأموال عن طريق الزكاة والغنائم ونحوهما.
يقول محمد جلال كشك: «إذا كان محمد بن عبد الوهاب من ناحية العقيدة ليس بمبتدع، فهو من الناحية السياسية مجدد ومبدع، لقد استطاع أن يوقف حركة التاريخ، ويلوي عنق الأحداث التي كانت تدفع العالم الإسلامي دفعًا إلى التغريب، فمع الهزيمة الشاملة التي أصابت العالم الإسلامي أمام الغزو الأوروبي؛ كان الظن أو اتجاه الأحداث هو خضوع العالم الإسلامي للقانون الحضاري العام، وهو فناء المهزوم بالاندماج في حضارة المنتصر» (2) .
وإذا تقرر أن هذه الدعوة المباركة سبب في وجود الدولة السعودية الأولى؛ أفيسوغ ما تفوّه به بعضهم بأن المذهب الوهابي سبب سقوط الدولة السعودية الأولى؟ أفيصح أن يكون سبب وجودها هو سبب عدمها؟ اللهم إلا أن يكون مقصودهم أن تمسُّك هذه الدولة بالدين الصحيح، وقيامها بشعيرة الجهاد تجاه البريطانيين؛ كان سببًا في تسلط أولئك الصليبيين وأذنابهم (محمد علي باشا، وابنه طوسون، وإبراهيم) ، فهل يريد أولئك التفلت من دين الله - تعالى - من أجل السلامة من الغرب وعملائه؟!
لقد اتُّخذ القرار بتدمير الدولة السعودية الأولى حماية للمصالح البريطانية، حيث أصبحت الحملات الجهادية في بحر الخليج العربي خطرًا مباشرًا على بريطانيا، فلقد أقلقت بريطانيا تلك القوة البحرية ذات الأسطول الهائل، «بل أرهبتها، وأشدّ جوانبها خطورة هو أنها ترفع لواء الإسلام، فأي حرب مكشوفة ستكون بدون شك طويلة ومريرة، ولن تكون ناجحة إلا إذا قضي على الأصل، أي على الدولة السعودية في قلب الجزيرة العربية، وإذا أقدمت بريطانيا على هذه الحرب فإنها ستكون مغامرة محفوفة بالمخاطر طويلة الأمد، قد تتحول بفعل تفاعل الظروف والأحداث إلى حرب صليبية» (3) .
ولذا تم تسخير العملاء المستغربين (محمد علي باشا، وابنه طوسون، وإبراهيم) لسحق هذه الدولة المتميزة، وقتل حكامها وعلمائها، فمنهم من قُتل صبرًا بالبنادق، ومنهم من جُعل في فوهة المدفع، ثم رمي حتى سقط في الجو قطعًا، ومنهم من كانت تُخلع جميع أسنانه قبل قتله كما هو مبسوط في تاريخ الجبرتي وابن بشر! فأي الفريقين أحق بالإفساد وسفك الدماء؟!
وكما قال المؤرخ محمد البّسام في كتابه (الدرر المفاخر في أخبار العرب الأواخر) : «ولا ـ والله ـ تغلب عليهم صاحب مصر عن ضعف منهم أو جبن، بل خيانة من العربان، ورضا من ساكني البلدان» .
«ثم تَوَّج إبراهيم باشا هذه الأعمال، وهو رسول الحضارة الغربية بهدم مدينة الدرعية ـ التي سلّم الإمام عبد الرحمن بن سعود نفسه بشرط الإبقاء عليها ـ، وتركها أطلالًا ما زالت تقوم شاهدًا حيًا على عِظَم الجريمة النكراء» (4) .
(1) عنوان المجد، لابن بشر، 1/ 39.
(1) السعوديون والحل الإسلامي، ص 111.
(2) مجموعة مؤلفات الشيخ، 3/ 67.
(3) عنوان المجد، 2/ 357.
(4) عنوان المجد، 1/ 267، باختصار.
(5) النحناج: الحركة.
(6) الهدم: الملابس.
(7) عنوان المجد، 1/ 44، باختصار، وانظر: عنوان المجد، 1/ 434.
(8) المنتظم، لابن الجوزي، 16/ 276.
(1) علماء نجد خلال ثمانية قرون، 1/ 17 ـ 19، باختصار يسير.
(2) انظر: الفتاوى السعدية، ص 92.
(3) مجموعة التوحيد، ص 339.
(1) الاستقامة، 1/ 265.
(2) السعوديون والحل الإسلامي، ص 109، باختصار يسير.
(3) قراءة جديدة لسياسة محمد علي باشا التوسعية، لسليمان الغنام، ص 35، وانظر: ص 122.
(4) المرجع السابق، ص 37.
الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر
محمد الإبراهيم
تولى الحجاج بن يوسف الثقفي أمر العراق عام 75 هـ بعد أن أنهى المهمة التي كلف بها وهي القضاء على ابن الزبير في الحجاز، وفي حديثه مع السيدة أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - حول مقتل ابنها عبد الله بن الزبير، ذكرت له أسماء الحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم:"إن في ثقيف مبيرًا وكذابًا، قالت: فأما الكذاب (المختار بن أبي عبيد) فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه [1] ."