الصفحة 3660 من 3812

وانظر إلى هذا التراث المتميّز وما جمعه ابن منقور في كتابه (الفواكه العديدة في المسائل المفيدة) لعلماء نجد قبيل الدعوة، فلا مقارنة بين الأمرين، فمجموع ابن منقور مجرد جزأين في فتاوى ومسائل في فروع مذهب الإمام أحمد، بينما تميزت الدرر بثراء في التأليف، وتنوّع العلوم الشرعية، وقوة الدليل، وصحة الاستدلال، وتنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع والأحداث.

يقول الشيخ عبد الله البسام - رحمه الله -: «منذ عرفنا علماء نجد حتى قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -؛ فإن علمهم يكاد ينحصر في الفقه أي في المسائل الفروعية الفقهية.. فعلم التفسير والحديث والتوحيد مشاركتهم فيها قليلة جدًا.

فلما انتشرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تغيّر هذا الاتجاه وتنوعت الثقافة وتعددت العلوم، فصارت العناية بالتوحيد لا سيما توحيد الألوهية، وصار الاهتمام بكتب التفسير السلفية كابن جرير وابن كثير والبغوي ونحوها، وصار الالتفات إلى الحديث وأمهات كتبه وشروحه، كما دُرّست أصول هذه العلوم وصار الاهتمام بالفقه، وموضوع الدرس منه هو فقه الإمام أحمد بن حنبل مع الأخذ بالقول الراجح الذي يعضده الدليل.

وإذا أردت المقارنة بين العهدين بتحقيق المسائل العلمية؛ فقارن بين فتاوى علماء نجد التي نقل بعضها الشيخ أحمد المنقور في مجموعه، وبين فتاويهم التي جُمعت في الدرر السَّنية؛ لترى أنهم في الأول يقتصرون على المشهور من المذهب، ويحاولون تطبيق ما يفتون به على ما قاله فقهاء الحنابلة، عارية عن سوق الأدلة من الكتاب والسنة.

أما في الدرر السَّنية فترى الفتاوى مستقاة من مذهب أحمد - رحمه الله - إلا أنها مقرونة بأدلتها الشرعية، كما تجد أنها قد تخالف المشهور من المذهب حينما يكون الدليل الصحيح خلاف المذهب.

وتجد بجانب الفتاوى الفقهية بعد قيام الدعوة علوم الشريعة الأخرى، فهذا علم التوحيد الذي قامت الدعوة لتحقيقه، وهو الذي نال القسط الأوفر من العناية والتحقيق، والتأليف، وكتابة الرسائل، والنصائح، لا سيما فيما يتعلق بتوحيد العبادة، كذلك نجد الكتابة في التفسير والحديث.

والقصد أنه تغير اتجاه الثقافة بين العهد الأول والعهد الثاني، حيث تحررت الأفكار، واتسعت المدارك، وتعددت جوانب العلوم» (1) .

وقد ادعى بعضهم أن في (الدرر السَّنية) غلوًا وإفراطًا، وتكفيرًا للمخالفين، وتعطشًا للدماء، وهذه مجرد أوهام وظنون، وسبب ذلك الوهم جملة أمور منها:

1 -أن أولئك القوم لم ينظروا إلى الملابسات والظروف التي حُررت فيها تلك الرسائل، فليس من الموضوعية أن يُجتزأ نص من الدرر السَّنية دون نظر إلى سياقه ومناسبة تأليفه.

2 -أن الناظر إلى تقريرات وأجوبة أولئك الأعلام لَيدرك التزامهم بطريقة أهل السنة، وبراءتهم من تكفير من لا يستحق التكفير، وإن كان ثمة إشكال؛ فإنما هو في تحقيق المناط (التطبيقات) ، وتنزيل الأسماء والأحكام ـ كالكفر مثلًا ـ على الدور والأشخاص، وهذا الاختلاف في تحقيق المناط واقع ووارد، فقد اختلف السلف الأوائل في تكفير الخوارج مع ورود النصوص بمروقهم من الدين، ومع ذلك فجمهور الصحابة - رضي الله عنهم - لا يرون تكفير الخوارج، لكنهم لم يتهموا مخالفيهم ـ القائلين بتكفير الخوارج ـ بالتطرف والغلو!

3 -لم يقتصر علماء الدعوة على تحرير المسائل وتحقيقها، بل عمدوا إلى تنزيل الأحكام الشرعية ـ الملائمة ـ على الوقائع والأحداث، فمثلًا عندما يحررون مسائل الولاء والبراء يُتبعون ذلك بسلوك وتطبيق ومواقف عملية تجاه طوائف ودول وأشخاص، كما هو مبسوط في مؤلفاتهم، لكن حصل في هذا الزمان الأخير الاشتغال بالتنظير لتلك المسائل والتنصل من تطبيقها ـ لجملة من المسوغات التي ليس هذا موضع بحثها ـ، فهؤلاء الغارقون في التنظير تعتريهم الدهشة عندما يطالعون تراث علماء الدعوة وما تحويه من أحكام على واقعهم آنذاك، وربما أنكروا على أئمة الدعوة كما هو حاصل الآن.

وها هو العلامة عبد الرحمن السعدي - رحمه الله - والمعروف بعمق علمه، وبرحابة صدره وسعة أُفقه حتى عند أولئك «الإصلاحيين» ؛ يقرر ـ حسب فتاويه ـ معنى دار الكفر، ثم ينزِّل هذا الحكم على دول عربية كانت محكومة آنذاك بالاستعمار البريطاني (2) .

4 -ينبغي أن يراعى أن أولئك الأعلام - رحمهم الله - عندما يحكمون بكفر أشخاص وطوائف ومن خلال منظور شرعي؛ كانوا في ظل ولاية شرعية وزمن قوة وغلبة شوكة، ومن ثم نجد أن الأمر ظاهر عندهم، فمن استبان كفره أقيمت عليه الحجة واستتيب فإن تاب وإلا قتل؛ بخلاف زمن الضعف وبداية الدعوة، حيث كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - في ابتداء دعوته إذا سمعهم يدعون زيد بن الخطاب قال: «الله خير من زيد، تمرينًا على نفي الشرك بلين الكلام، نظرًا إلى المصلحة وعدم النفرة» (3) ؛ بخلاف لما ظهرت الدعوة وقامت الدولة.

ونلاحظ في الطرف المقابل لتلك القوة والعزة ما هو مشاهد في عصرنا من هيمنة وتسلط أمريكا، وغياب الولاية الشرعية في أكثر الأمصار، وخور أهل الإسلام، واستجابة كثير منهم لضغوط ومطالب أمريكا؛ مما جعل أولئك المستسلمين ينفرون من هذه الدعوة التي تصادم ضعفهم واستكانتهم.

5 -لا يخفى أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ذات نَفَس جهادي، والناظر إلى كتاب الجهاد من (الدرر السَّنية) يلاحظ فتاوى مهمة وتقريرات علمية في أحكام الجهاد ونوازله، كما يدرك ما حفل به تاريخ الدعوة من معارك وغزوات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت