الصفحة 3659 من 3812

-تميزت هذه الدعوة بالالتزام بمنهج راسخ وعقيدة ثابتة وأهداف جلية، كالتلقي من نصوص الكتاب والسنة الصحيحة، ووجوب صرف جميع أنواع العبادة لله - تعالى - وحده، والتحذير من الشرك ووسائله وذرائعه، فكثيرًا ما كان الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب يقرر أن الله - تعالى - هو المعبود المقصود، فلا يُقصد إلا الله - تعالى -، وأن الحنيفية ملة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - هي الإقبال على الله - تعالى - والإعراض عما سواه، وظهر أثر هذه التربية والتقرير من خلال مواقف عملية سطّرها المؤرخون كابن بشر وغيره، ومن ذلك أن «امرأة أتت إلى الشيخ واعترفت عنده بالزنا بعدما ثبت عنده أنها محصنة، وتكرر منها الإقرار، واستخبر عن عقلها فإذا هي صحيحة العقل، فقال: لعلك مغصوبة؟ فأقرت واعترفت بما يوجب الرجم، فأمر بها فرُجمت» (1) .

إن التعلق بالله - تعالى - وخشيته - عز وجل - في السر والعلن جعل تلك المرأة تُقْدم بكل طواعية على الاعتراف بفعلتها، وترغب في تطهيرها بتلك العقوبة الموجعة خوفًا من الله - تعالى - ورغبة فيما عنده - سبحانه -.

يقول الأستاذ محمد جلال كشك معلقًا على تلك الحادثة: «فهذه المرأة التي جاءت تتوب، أو تستشهد، بأقسى عقوبة فُرضت على الإنسان، تعكس حالة الوجد الاستشهادي التي أطلقها محمد بن عبد الوهاب في البدو، والتي تفسر فتوحاتهم، فحكاية المرأة الخاطئة هي مؤشر لإيمان الرجل المتطهر الذي صنعته دعوة الشيخ، فانطلق يطوي الصحراء لإعادة الناس إلى الدين الحق، فلا يجوز أن تقف العين العاجزة عند قسوة العقوبة، فالشيخ اقتداءً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - استخدم معها كل الدفوع لوقف التنفيذ، أو دفعها إلى سحب اعترافها، ولكن جذوة الإيمان التي أطلقها في نفس الخاطئة؛ كانت أقوى حتى من رحمته الإسلامية» (1) .

وقد أثار بعضهم آنذاك شبهة أن الشيخ أقام الحدود بدون إذن الإمام، فكان من جوابه - رحمه الله - عن تلك الشبهة: «لا يُعرف أن أحدًا من العلماء ذكر أن شيئًا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم.. ولكن أعداء الله يجعلون هذه الشبهة حجة في ردّ ما لا يقدرون على جحده، كما أني لما أمرتُ برجم الزانية قالوا لا بد من إذن الإمام، فإن صح كلامهم لم تصح ولايتهم القضاء ولا الإمامة ولا غيرها» (2) .

-لما أظهر الشيخ دين الله - تعالى -، وحقق التوحيد في نفسه وأتباعه في جزيرة العرب، وأقام شرع الله - تعالى -؛ استتب الأمن؛ وتحقق الاستقرار، وعم الرخاء، وكثرت الخيرات.

وسيتضح للقارئ البون الشاسع بين حال الجزيرة العربية ـ أمنيًا واقتصاديًا ـ قبيل ظهور الدعوة وبعدها من خلال أحداث واقعية، وهاك مثالًا عمّا قبل ظهور الدعوة، ففي قرية صغيرة في نجد تُسمّى «التويم» عَمَد أحدهم إلى قتل أميرها ـ وكان ابن عمه ـ، وما أن صار القاتل أميرًا حتى قُتِل، ثم ولي الإمارة شخص ثالث فغُدِر به، ثم وليها رابع فتمالأ عليه رجال فقتلوه، ثم تنازع «القَتَلة» في الإمارة، فقسّموا تلك القرية الصغيرة أربعًا، وصار كل واحد أميرًا على ربعها، وكلّ هذه الوقائع حدثت في سنة واحدة.

قال المؤرخ ابن بشر معلِّقًا على تلك الحادثة: «وإنما ذكرتُ هذه الحكاية ليعرف من وقع عليها وعلى غيرها من السوابق نعمة الإسلام والجماعة والسمع والطاعة، ولا تُعرف الأشياء إلا بأضدادها، فإن هذه قرية ضعيفة الرجال والمال، وصار فيها أربعة رجال كل واحد منهم يدعي الولاية على ما هو فيه! » (3) .

وأما بعد ظهور الدعوة؛ فقد كانت البلاد آمنة مطمئنة، «والشخص الواحد يسافر بالأموال العظيمة أيّ وقت شاء، في نجد والحجاز واليمن وتهامة وعُمان وغير ذلك، لا يخشى أحدًا إلا الله، لا سارق ولا مكابر.. وكانت جميع بلدان نجد في أيام الربيع يُسيّبون جميع مواشيهم في البراري ليس لها راع» (4) .

وقد تحدث ابن بشر عن الرخاء الاقتصادي في الدرعية ـ مبعث الدعوة الإصلاحية ـ فقال: «لقد نظرتُ إلى موسمها يومًا وأنا في مكان مرتفع، فرأيت موسم الرجال في جانب، وموسم النساء في جانب، وما فيه من الذهب والفضة والسلاح والإبل والأغنام، وكثرة ما يتعاطونه من صفقة البيع والشراء والأخذ والعطاء، وغير ذلك، وهو مدّ البصر، لا تسمع فيه إلا دوي النحل من النجناج (5) ، وقول بعت واشتريت. والدكاكين على جانبيه الشرقي والغربي، وفيها من الهُدم (6) والقماش والسلاح ما لا يوصف» (7) .

من الآثار المشرقة لهذه الدعوة المباركة ما أورثته من تسطير لتاريخ موطنها وتدوين الحوادث والوقائع فيها كما هو ظاهر في تاريخ ابن غنام وابن بشر ونحوهما، فلقد ظلت نجد نسيًا منسيًا طوال القرون الماضية، ولم يحفظ لنا التاريخ عن تلك الحقبة المظلمة سوى نتف مبعثرة كما هو مذكور في سوابق ابن بشر، ولعل الأمر كما قال ابن عقيل الحنبلي - رحمه الله -: «لما كان البلد مملوءًا بالأخيار قيض الله لها من يحكيها، فلما عُدموا وبقي المؤذي والذميم العقل؛ أعدم المؤرخ، وكان هذا ستر عورة» (8) .

ومن جملة تلك الآثار العلمية ما سطّره علماء الدعوة من رسائل وفتاوى وتقريرات جُمعت في (مجموعة الرسائل والمسائل النجدية) ، وفي (الدرر السَّنية في الأجوبة النجدية) ، فلقد حوت هذه الرسائل تراثًا نفيسًا في مسائل الاعتقاد ـ ولا سيما توحيد العبادة وما يضاده ـ وأحكام العبادات والمعاملات، وأحكام الجهاد، والمرتد، والتفسير، والردود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت