انزواء العلماء والدعاة:
ومن أضرار الطعن في العلماء والدعاة إنزواؤهم طلبا للسلامة وصيانة لأعراضهم، وحفظًا لحياة قلوبهم. فإذا انزوى هؤلاء خلت الساحة عن الأخيار الذين يجلون الناس ويعلمونهم ويدعونهم إلى الله تعالى.
تمرير مخططات الأعداء:
لأن العلماء هم أول من يهتك ستر الأعداء ويكشف عوارهم، فإذا فقد الناس الثقة في علمائهم فمن يبصرهم بما يحاك لهم ويراد بهم؟ ومن هنا كان فقد العلماء وسيلة لتحقيق الأعداء إلى مرادهم . ونظرة إلى الواقع تنبيك.
إن العلماء هم عقول الأمة ونورها، وكل أمة لا تحترم عقولها لا تستحق الحياة. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى:"وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل".
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الدعاة .. وتفجير الطاقات الكامنة
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
فيكثر الحديث عن القوة الكامنة في النفس، وعن الشرارة التي تفجر هذه الطاقات، ويُثنى على بعض الأشخاص بأن لديهم القدرة على تفجير الطاقات لدى الجماهير والشعوب. وقد لوحظ في حياة الأفراد والدول والجماعات طفرات في السلوك والتصرف نتيجة ظروف وحوادث تستلفت الأنظار، فمثلا مع مجيئ رمضان تتغير صورة البلاد والعباد؛ فأكثر الناس يحرصون على تلاوة القرآن وسماعه، ويصومون النهار، ويقومون الليل، وتلمس الحرص على النفقة والسؤال عن الحلال والحرام، وتجنب الكثير من المعاصى والذنوب، فهذا يغض بصره عن النساء والأجنبيات، والمتبرجة تعود للحجاب الشرعى خشية أن يخدش الصيام، وتارك الصلاة يواظب على الصلاة، حالة شفافية لا تخطؤها العين في رمضان.. وهؤلاء الأشخاص لو قيل لهم في غير رمضان: صوموا النهار وقوموا الليل وتعاهدوا المصحف لقالوا: لا نستطيع ولا نقدر، وكأن هذا الشهر المبارك هو الذي أطلق هذه الطاقات الكامنة، فالقدرة والقوة موجودة في النفس ولكنها كانت بحاجة لشرارة تفجرها.
وقد وردت الأخبار المتواترة تفيد ظهور المهدي في آخر الزمان وهو من علامات الساعة العشر الكبرى وأنه يصلحه الله في ليلة، يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما وجورا، نقلة كبيرة تحدث لمحمد بن عبد الله - مهدى هذه الأمة- بين عشية وضحاها.. فالشخص هو هو ينصلح حاله في ليلة فيملأ الأرض عدلا، وربنا قدير يحيى العظام وهى رميم ويكور الليل على النهار ويكور النهارعلى الليل.
لقد دبت المعاني الإيمانية في نفوس سحرة فرعون فتحولوا من طلاب للدنيا يلهثون وراء الحطام الفاني إلى طلاب للآخرة يتهددهم فرعون: لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل، فيقولون له:"اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا"، فخروا لله ساجدين وقالوا:"آمنا برب العالمين". تغير عظيم وإيمان عمره لحظات صنع الأعاجيب.
ويوم بدر خرج الصحابة الأفاضل طلبا للعير فكان النفير، قال تعالى: (ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا) كان عدد المشركين يزيد على ثلاثة أضعاف عدد المسلمين، وقد خرج المشركون في خيلهم وخيلائهم يحاربون الله ورسوله ويواجهون المسلمين العزَّل ـ تقريباـ إلا من سلاح الإيمان - وهم يومئذ في قلة عدد وعتاد، وعلى الرغم من ذلك انتصروا على عدو الله وعدوهم، قال تعالى: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم اذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون) ، وقال: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (لأنفال:26) .. وكانت المشاهد الإيمانية التي انطلقت شرارتها في هذه المعركة الفاصلة على الرغم من مفاجأة الحدث واستعداد المشركين للقتال واستئصال شأفة المسلمين.
ويحكى أن الخنساء لما مات أخوها صخر رثته وأنشدته معلقات الشعر الباكية وكانت يومئذ شابة، ثم لما أسلمت قتل أولادها الأربعة يوم القادسية وعلمت بمصرعهم فلم تزد على قولها: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو أن يجمعني بهم في دار كرامته.
إنه الايمان الذي يصنع الأعاجيب ويحول الحياة إلى خيرات وبركات وثبات في مواجهة المحن، واستعلاء كريم لا تقوى زخارف الدنيا وزينتها على زحزحته، ولا يخفى عليك مدى محبة الأم لأولادها، الأمر الذي لا ينهض أمامه محبة الأخ، ثم هي كان قد كبر سنها ورق عظمها حين فجعت في أولادها الأربعة.. قوة وطاقة كامنة في النفوس لا يمكن حسابها بالمعانى المادية ولا يصلح تفسيرها بقوة العضلات والأيادي.
لقد استولى القرامطة على الحجر الأسود وانتزعوه من مكانه أكثر من اثنتين وعشرين سنة، ثم أعيد مكانه مرة ثانية، واستولى التتار على بغداد عاصمة الخلافة ولم يستطع الناس الخروج للمساجد أربعين يوما، وكانت الجبال من الجماجم والضحايا وأشلاء المسلمين لا يتصور معها كيف ينتهي هذا البلاء والكرب، وعلى يد من يتم الخلاص من هذه الفتنة، وقيض الله لهذه الامة أمثال قطز وبيبرس وتم النصر في عين جالوت وخرج شيخ الإسلام ابن تيمية بنفسه لقتال التتار وكان يستحث الأمراء والخلق على الجهاد في سبيل الله.