الصفحة 368 من 3812

ولما داهم الصليبيون البلاد والعباد واستولوا على بيت المقدس، ظهرت معالم النخوة والغيرة الإيمانية على صلاح الدين، وكان قد تولى زمام مصر، فقال لوزيره ابن شداد: أما أسرُّ لك حديثا؟ إني أتمنى إن فتح الله علي بيت المقدس أن أركب البحر أقاتل كل من كفر بالله حتى يظهر دين الله أو أهلك دونه". وقد نصره الله على الصلبيين في موقعة حطين واسترد بيت المقدس بعد أن احتله الصليبيون أكثر من تسعين سنة."

والناظر في الصحوة الإسلامية في الآونة الأخيرة، وهذه الصحوة التي نشاهدها في امتلاء المساجد بالمصلين وكثرة الحجاج والمعتمرين والحرص على ارتداء الحجاب الشرعي، وتعليم العلم الشرعي، والعودة لمثل ما كان النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، يحدث ذلك على مستوى الكبار والصغار والرجال والنساء، ولا يكاد يخلو بيت الآن من ملتزمين متدينين، هذه الصحوة التي أربكت الأعداء وأرهبت الكفار وكأنها لم تكن في الحسبان، فقد رأوا المارد يستيقظ، بعد أن ظنوا أن أمره قد انتهى إلى غير رجعة، فتيقنوا أنها أمةٌ ولادةٌ، لا يدرى أولها خير أم آخرها؟ شأنها كشأن المطر سرعان ما تتفجر فيها الطاقات والقوى الكامنة، ولذلك فكثرة المصائب والأحزان، وفجيعتنا في المسلمين هنا وهناك، وتسلط الأعداء على رقابنا لا يدعو ليأس ولا لقنوط: (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) فنحن نستبشر الخير، والفجر قادم بإذن الله، حتى وإن طال الظلام، وإن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا. فألم المخاض تعقبه فرحة الولادة، ومقدمات الخير موجودة بكثرة في هذه الأمة، والمستقبل لدين الله بغلبته وظهوره على الأديان كلها، بذلك نطقت نصوص الشريعة، قال تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) ، وقد حدث ذلك وسيكون منه ما شاء الله أن يكون، فمن تعجب كيف يفتح بيت المقدس وتنصر الأمة على يهود وعلى الروم، من تعجب لورود النصوص بفتح القسطنطينية ورومية، قلنا له: الأمور على ما عند ربك، وأخبار الصادق المصدوق لابد أن تتحقق، ولا تغتر بواقع الأمة المؤلم أو بقوة أعدائها، فهذا الواقع سيزول ويتغير بإذن الله، فالأمة لديها طاقات كامنة هائلة، وفضل الله أعظم، فقد قضى سبحانه ألا تهلك الأمة بسنة عامة؛ لأنها أمة دعوة أنيط بها إبلاغ الحق إلى الخلق. والصدمات التي تتعرض لها قد تكون سبب يقظتها وعودتها لدين ربها: (ويؤمئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء) . وما يحدث للمهدي في آخر الزمان، وما يحدث للأمة في رمضان من تحول إيمانى يقرب لك ما نقول.

واجب الدعاة

والواجب علينا أن نغتنم مواسم الخيرات وكذلك أيام المحن في تفجير الطاقات الكامنة في النفس والأمة عن طريق الاستعانة بالله تعالى في تعلم العلم النافع ومتابعته بالعمل الصالح،والقيام بواجب الدعوة إلى الله والصبر على ذلك كله.

نحن لا نخلق الفرص وأيضا لا نضيعها، فإذا رأينا النفوس تهفو لطاعة ربها والأمة تخطو الخطوات الأولى في طريق العودة لدين الله في وقت تتنزل بها الشدائد والمحن، فلا أقل من أن نتواكب معها حتى تكون الصحوة مستبصرة بمواضع الأقدام ومعالم الطريق، تعرف التوحيد وما ينافيه من الشرك، والفرائض ما تصح به وما تبطل، والحلال والحرام والأمور التي تستصلح بها القلوب، كما تتعرف على الشبهات وطريقة دفعها عن النفس. وقد حكى لنا القرآن دعوة نبي الله يوسف - عليه السلام - لصاحبي السجن لما سألاه عن الرؤى لم يبادر بتعبيرها وقدم لهما بقوله: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ . مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:39 ، 40) في مواجهة طوفان التدمير:

لابد من ترسيخٍ لمعاني الإيمان واليقين في النفوس، والتركيز على مسائل العقيدة ودعوة التوحيد، فهي دعوة الأنبياء والمرسلين ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين، وهي الدعوة الكفيلة بتفجير طاقات الخير والبركة في هذه الأمة واستعادة المجد والعز المفقود، وردّ البلاد والعباد إلى خالق الأرض والسماء ردًا جميلا, لابد من مواجهة طوفان الهدم والتدمير، وعلى سبيل المثال لا الحصر:

4.7مليون زائر يدخلون أحد المواقع الإباحية كل اسبوع، 83.50 % من الصور المتداولة في المجموعات الإخبارية صور إباحية، 63 % من المراهقين الذين يرتادون صفحات ومواقع الدعارة لا يدري آباؤهم

وهذه عينة من صور الهدم، ومن المعلوم أن الهدم سهل يسير والبناء صعب عسير، وما يحدث من إقبال الناس على دين ربهم لا يخضع لحسابات البشر، ومكر الأعداء إلى بوا؛ فتدبيرهم تدميرهم وكيدهم يرتد إلى نحورهم، والخير ينبت ويترعرع وسط عواصف الأهواء والإغراء، والأمة تولد من رحم المحنة، ومسيرة آلاف الأميال تبدأ بخطوة واحدة ، لابد من الوصول إلى جميع فئات المجتمع بالدعوة سواء كانوا رجالا أو نساءً، كبارًا أو صغارًا، والتركيز على كل القطاعات: الأطباء والمهندسين والمدرسين والموظفين والعمال والطلبة؛ فالأمة مستهدفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت