ولننتبه فإن البعض أصبح صورة منفرة للإسلام؛ يصد عن سبيل الله بفعله في الوقت الذي يدعوهم فيه بقوله، فلا بد من جهاد كبير: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه، ولا يزال العبد يتأخر حتى يؤخره الله، ولا يجعل الله عبدًا سارع اليه كعبد أبطا عنه.
إن الطاقات والقوى الكامنة هائلة فلا بد من علو الهمة، فدعوتك دعوة عالمية، وأنت تتشرف بالانتساب لخير أمة أخرجت للناس، ونبيك صلى الله عليه وسلم هو سيد الأولين والآخرين، دعوتك هي دعوة الحق ، والمرجع والمآب إلى الله. والسلوك مرآة الفكر.. فكيف لا تنفجر الطاقات الكامنة وتكون الاندفاعه الإيمانية التي تبني ولا تهدم، وتصلح ولا تفسد، ولسان حالها ينطق: (وعجلت إليك رب لترضى) ؟!.
الدعاة بين القول والعمل
أراد الإسلام من الإنسان المسلم في حياته العامة والخاصة أن يعيش إيمانه ويجسده في كل عمل، كمسلم يعتقد أن الإسلام عقيدة وعمل، كلاهما يرتبط بصاحبه، ولذلك رأينا القرآن الكريم يقرن الإيمان بالعمل الصالح في كل آية يذكر فيها الإيمان كقيمة أخروية كبيرة، للإيحاء باقترانهما في مجال العقيدة والحياة، وقد تردد كثيرًا في الآثار أن الإيمان بلا عمل كالشجر بلا ثمر، مما يوحي بأن الإيمان في ديننا يعبر عن مضمون عملي، كما يعبر عن مضمون قلبي كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ينهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن"متفق عليه.
سيرة الداعية وتجاوب الناس مع فكرته
هذا بالنسبة للمؤمن بشكل عام.. أما إذا انطلق المسلم في مجال الدعوة إلى الله فإن القضية تأخذ بعدًا جديدًا، ووضعًا خاصًا، لأن الجانب العملي لا يتمثل ـ فقط ـ في الحياة الخاصة التي تحدد للإنسان مصيره في الدنيا والآخرة، بل ينعكس على حركة الدعوة ومسيرتها الظافرة، لما للسيرة العملية للداعية من تأثير على تجاوب الناس مع الفكرة، وانفعالهم بها وإيمانهم بجديتها وواقعيتها، بينما تعطي السيرة المضادة، تأثيرًا عكسيًا يوحي بالابتعاد عنها نظرًا إلى فقدان الانسجام في حياة الداعية بين النظرية والتطبيق فيولد في نفوس الآخرين انطباعًا بأن هذه النظرية لم تطرح للتطبيق، بل لتبقى فكرة حالمة خيالية، كبقية الأفكار الحالمة الخيالية التي عاشت في إطار المثال ولم تقترب من إطار الواقع، لأنها لم تستطع أن تغير حياة أصحابها، فكيف يمكن أن يطلب منها تغيير حياة الآخرين..
تجسد الإسلام في سلوك النبي صلى الله عليه وسلم:
ولهذا كانت الرسالات السماوية تستمد قوتها في الدعوة من طبيعة الفكرة ومن تجسيدها واقعًا حيًا في سلوك النبي وعمله، ليسمع الناس حديث الدعوة من جهة، ويتلمسوا واقعها في حركة الحياة الممتدة من جهة أخرى.
وقد قال بعض الناس: إن الله لو أرسل القرآن في كتاب مجموع منزل، ولم يرتبط بحياة النبي صلى الله عليه وسلم ي وسلوكه لما استطاع الإسلام أن يخطو خطواته الكبيرة في الحياة، ولكن الناس كانوا يستمعون إلى القرآن من النبي عليه الصلاة والسلام من جهة، ويشاهدونه كصورة حية متحركة في حياته من جهة أخرى فتجسدت لهم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وأعماله قرآنا يتحرك على الأرض كما حدثت عنه زوجته"عائشة"رضي الله عنها بقولها:"كان خلقه القرآن".
وقد كان حديث القرآن عن علاقة سلوكه القرآني بنجاحه في الدعوة، صريحًا واضحًا وذلك هو قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك) (159:3) (وإنك لعلى خلق عظيم) (4:68) . (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (128:9) .
عنصر القدوة وعنصر الدعوة
وقد ركز الإسلام على القدوة في عنصر الرسالة، كما ركز على عنصر الدعوة. فاعتبر عمله وتقريره سنة.. كما اعتبر قوله سنة. فأوجب اتباع النبي صلوات الله وسلامه عليه في سلوكه كما في قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر كثيرًا) (21:33) كما أوجب اتباعه في دعوته كما في قوله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا استجيبوا لله وللرسول إذ دعاكم لما يحييكم) (24:8)
وربما كان هذا التركيز ـ من الإسلام ـ على عنصر القدوة، إلى جانب تأكيده على عنصر الدعوة إيحاء للعاملين بأن من واجبهم أن يقتدوا بالنبي في ذلك. ليكون سلوكهم دعوة، كما يكون كلامهم دعوة، فيرتبط الناس بأشخاصهم من ناحية عملية، كما يرتبطون بأفكارهم من ناحية عقدية..
وقد أنذر الله المؤمنين الذين يقولون ما لا يفعلون إنذارًا صارخًا، بأسلوب حازم وذلك قوله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) (3:61) . وأنكر على أهل الكتاب هذه الازدواجية بين الأمر بالخير وبين العمل بالشر.. وذلك هو قوله تعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) (44:2)
فعل المستحبات وترك المكروهات