الصفحة 370 من 3812

ربما كان فعل الواجبات وترك المحرمات يمثل قيمة دينية في مجال التقييم الإسلامي الذاتي للإنسان العادي، ولكنه لا يجسد القيمة الكبيرة في حياته كداعية، بل ينبغي أن يضيف إلى ذلك الأخذ بالمستحبات الشرعية، التي تمثل المنهج العملي الإسلامي المرتبط بالجانب الأخلاقي، الذي لا يلزم الإسلام به أتباعه بل يترك لهم أمر ممارسته بشكل اختياري، مع التلويح بالثواب عليه، والسلامة من العقاب في حال الترك؛ لتكون الأخلاق الإسلامية نابعة من صميم الذات لا من طبيعة الإلزام.. ثم قد يلزم الأمر أن يترك الداعية بعض المكروهات، التي هي عكس المستحبات.

وقد تدعو الحاجة إلى أن يترك بعض المباحات إذا كان فعلها غير مألوف في حياة الناس مما يوجب الإضرار بالدعوة وبصاحبها.. وهكذا نجد أن مسؤوليته كداعية تقتضيه أن يجسد المثل الرائع للإنسان المسلم في نظر الناس، فيحبه الناس من خلال سلوكه، ويتحول ذلك الحب، إلى إخلاص لدعوته عندما يجدون الانسجام الكامل بين الدعوة وبين العمل.

ممارسة الداعية لما يقول

إننا نحاول التأكيد على هذا الجانب من الممارسة في حياة الداعية لأن الدعاة حين يستسلمون للحياة استسلام المشغوفين بها، المندفعين إليها، بكل شوق ولهفة، ويعبون منها بلا حساب، ويستنزفون رخصها حتى آخر قطرة، ويقتربون من محرماتها حتى تراهم يفتشون عن وجوه الإباحة في كل مجال، ويترخصون للغاية في ترك المستحبات فلا يتعبون أنفسهم بها، لأنها لا تستتبع العقاب في تركها. وأما المكروهات والمباحات فما دامت القضية لا تستتبع عقابًا في الفعل فلماذا يحرمون أنفسهم من الاستمتاع بعنصر الإباحة في الشرع فإن الله يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر.

وتستمر الحياة بهم هكذا... ويستمرون في مواعظهم ونصائحهم وإرشاداتهم، ويتحدثون عن الزهد في الدنيا وما أعد الله للزاهدين، ويقصون على الناس قصص الزهاد الذين يقتصرون على القليل القليل من الطعام، وعلى قدر الضرورة من أغراض الحياة.. ولكنهم لا يزهدون في الدنيا هذا الزهد الذي يحدثون الناس به.. وتسألهم عن تفسير لذلك فيجيبونك بأن هذا الزهد ليس بواجب فلماذا نلزم أنفسنا به، لأن الواجب علينا هو الزهد عن الحرام، وهذا ما نفعله..والرد الطبيعي هو أنه هو نفس الزهد الواجب على المدعوين فلماذا تحدثونهم عن الزهاد الأوائل إذا؟! وهكذا في بقية أبواب الدعوة.

وما أجمل ما صور ابن القيم به هذا الواقع المتضارب، وهذه الانفصالية بين الأقوال والأفعال وأثرها في المدعوين فقال رحمه الله:"علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قال قائلهم للناس هلموا، قالت أفعالهم لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقا كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاء، وفي الحقيقة قطاع طرق".

وهذا عين ما ذكره صاحب حلية الأولياء عن مالك بن دينار:"العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما تزل القطرة عن الصفا."

وقال الشافعي الإمام:"من وعظ أخاه بفعله كان هاديا".

قال عبد الواحد بن زيد:"ما بلغ الحسن في الناس ما بلغ إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء كان أسبقهم إليه، وإذا نهاهم عن شيء كان أبعدهم منه".

وكان البر فعلا دون قول .... فصار البر نطقا بالكلام

متى نسد هذه الثغرة؟

من طالع تاريخ الإسلام منذ بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم حتى اليوم يرى ظاهرة واضحة كل الوضوح وهي أن الإسلام ما برح يخوض معارك متعددة النواحي تستهدف القضاء عليه أو تشويهه أو صرف المسلمين عنه، وهذه المعارك تتسم من جهة أعدائه بالدقة والتنظيم والكيد المحكم كما تتسم من جهة المسلمين بالبراءة والغفلة عن هذه المؤامرات والدفاع العفوي دون إعداد سابق أو هجوم مضاد، ولولا أن الإسلام دين الله الذي تكفل بحفظه لكانت بعض مؤامرات أعدائه كافية للقضاء عليه ومحو أثره.

ومن الواضح أن المؤامرات العدائية للإسلام تلبس في كل عصر لبوسها، فهي حين يكون المسلمون أقوياء تأخذ طريق التهديم الفكري والخلقي والاجتماعي، وحين يكونون ضعفاء تتخذ طريق الحرب والتجمع وتستهدف الإبادة والإفناء، فإذا عجزت طريق الحرب عن تحقيق أهدافها انقلبت إلى طريق فكري خداع تستهوي الغافلين أو المغفلين، فينبت للإسلام في داخل أسواره نابتة تنحرف شيئًا فشيئًا عن عقيدة الإسلام السمحة المشرقة المحررة حتى تنتهي إلى عقائد وأفكار تخالف المبادئ الأساسية للإسلام، وتحقق الأهداف الرئيسية التي يسعى إليها أعداؤه من حيث يبدو أنهم لا علاقة لهم بهذا التخريب والتهديم.

ونسوق مثلًا آخر على يقظة أعداء الإسلام وإحكام المؤامرات عليه، وهو استغلال الخلاف الذي وقع في صدر الإسلام بين الصحابة رضوان الله عليهم حول الخلافة، إن مثله يقع في كل أمة وفي كل عصر، ولكنا لم نر أمة من الأمم غيرنا عنيت بإثارة مثل هذا الخلاف أربعة عشر قرنًا!..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت