{وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون. قال تزرعون سبع سنين دأبًا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلًا مما تأكلون. ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلًا مما تحصنون. ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون. وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم. قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين. ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين. وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم. وقال الملك ائتوني به استخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين. قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم. وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكان يتقون} [يوسف: 43 - 57] .
لقد كان الملك أنانيًا محبًا لنفسه ومصلحته الشخصية الخاصة {ائتوني به استخلصه لنفسي} وهل يمكن اعتبار الأنانية وحب الذات من الأمور التي يمدح عليها الرجل؟!.
ومع ذلك هل قبل نبي الله يوسف - عليه السلام - العرض الذي قدمه الملك أن يكون من حاشيته المقربين إليه ومن خاصته؟ إن هذا المنصب لا يليق بالرجال العظماء، فضلًا عن الأنبياء… أن تكون فائدته قاصرة على شخص أو على أشخاص معدودين هذا ما لا يليق بالرجال العظماء. ولذلك فإن نبي الله يوسف - عليه السلام - اختار المكانة التي تليق به تلك المكانة التي يستطيع من خلالها أن يفيد الأمة جميعًا صغيرها وكبيرها ملكها ومملوكها، المقام الذي من خلاله يفيد أكبر عدد من الناس {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} .
هذا هو منهج الأنبياء ومسلك الدعاة والعلماء إنه مجانبة السلاطين والملوك والأمراء. وقد استعرضت لك من سيرة السلف الصالح وأقوال العلماء عدة أمثلة في مقالة سابقة بعنوان (بطانة الخير وبطانة الشر) وما لم أذكره أكثر من ذلك بكثير.
وما أحسن ما قاله سيد قطب في ظلال هذه الآيات من سورة يوسف:"فيا ليت رجالًا يمرغون كرامتهم على أقدام الحكام وهم أبرياء مطلقو السراح فيضعوا النير في أعناقهم بأيديهم ويتهافتوا على نظرة رضا وكلمة ثناء وعلى حظوة الأتباع لا مكانة الأصفياء… يا ليت رجالًا من هؤلاء يقرأون هذا القرآن ويقرأون قصة يوسف - عليه السلام - ليعرفوا أن الكرامة والإباء والاعتزاز تدر من الربح حتى المادي أضعاف ما يدره التمرغ والتزلف والانحناء! …"
إنه لم يسجد شكرًا كما يسجد رجال الحاشية المتملقون للطواغيت ولم يقل له: عشت يا مولاي وأنا عبدك الخاضع أو خادمك الأمين كما يقول المتملقون للطواغيت! كلا، إنما طالب بما يعتقد أنه قادر على أن ينهض به من الأعباء في الأزمة القادمة التي أوّل بها رؤيا الملك، خيرًا مما ينهض بها أحد في البلاد، وبما يعتقد أنه سيصون به أرواحًا من الموت وبلادًا من الخراب ومجتمعًا من الفتنة - فتنة الجوع - فكان قويًا في إدراكه لحاجة الموقف إلى خبرته وكفايته وأمانته، قوته في الاحتفاظ بكرامته وإبائه: {قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} "اهـ [5] ."
وفي الختام أعود فأذكر وأكرر القول إن عهد الملوك الجبابرة قد أذن بالانتهاء والرحيل إن شاء الله وسيتحقق وعد الله بنصر عباده الصالحين {وكان حقًا علينا نصر المؤمنين} ، وما جاء في حديث الصادق المصدوق - عليه الصلاة والسلام -"ثم تكون خلافة على منهاج النبوة"، وسيتم ذلك إن شاء الله بعز عزيز أو بذل ذليل ولكن لكل شيء ثمنًا وسيكون ثمن التغيير باهظًا، والواقع خير شاهد ودليل، ألم يكن الحكم في أفغانستان ملكيًا… ألم تنته الشيوعية بعد أن جثمت على صدور المسلمين في بقاع مختلفة من الأرض ما يزيد على السبعين سنة؟ إلا أننا نهيب بالمسلمين والدعاة المخلصين وجميع عباد الله الصالحين أن يكونوا أهلًا لتحمل المسؤولية والسعي لتغيير الوضع نحو الأفضل لا كما حدث في البلاد التي ذكرناها آنفًا. فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فاعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ولا تنازعوا فتفشلوا:
قد رشحوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
[1] - صحيح البخاري. كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"لتتبعن سنن من كان قبلكم"رقم الحديث: 7319.
[2] - صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، رقم الحديث: 7320.
[3] - انظر كتاب (الحسنة والسيئة) لابن تيمية، ص 72 - 73.
[4] - انظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي الآية (34) من سورة النمل.
[5] - في ظلال القرآن: 4/2005، الطبعة الثالثة عشرة.
الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر
محمد الإبراهيم