الصفحة 384 من 3812

وإذن فوجود القائد ليس هو كل القضية وإنما هو شطر القضية، وشطرها الآخر هو وجود (الأمة) ، ولابد من شروط في القيادة وشروط في الأفراد أو (الأمة) والتفاعل بين الجانبين والانسجام بينهما .. فأمر القيادة منوط بتلك (الصفوة) المؤمنة من العلماء المخلصين والقادة القادرين، وهي العناصر ذات الخبرة والوعي الشمولي والتي تتوفر فيها ملامح العمل القيادي، والتي تستطيع العمل في مستوى قيادي أدنى من القيادة الرئيسية حتى لا يكون هناك ثغرات أثناء العمل.. بالإضافة إلى أن إعدادهم يهيئهم ويؤهلهم لاستلام القيادة مستقبلًا، وهؤلاء هم الذين يشكلون الحلقات القيادية الوسيطة التي تسد الفجوة بين القاعدة العريضة من الجماهير المسلمة، وبين القيادة وهى التي عبرها تتم عملية (بعث الأمة) بدعوة التوحيد بمفهومه السلفي الواضح على ما كان عليه القرون الثلاثة الأولى قبل تشعب الأهواء واختلاط العقائد.

وكأني برسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقضى ثلاثة عشر عامًا يربي هذه الفئة، ويصنع الرجال، ويدرب القادة لتحمل مسئولية نشر دعوة الحق بعده - صلى الله عليه وسلم، لقد كان - صلى الله عليه وسلم- يصنع رجالًا يحملون هذه العقيدة فكرًا وشعورًا وممارسة، ويربي (أمة) تتلقى أمر الله فيغدو لديها فعلًا وتطبيقًا ويتحول إلى وقائع وأحداث، فلابد أن يلتزم الدعاة إلى الله الآن هذه الخطوة...

فهذه حقيقة يجب على الدعاة اليوم أن يقفوا أمامها كثيرًا، إن الدعوة لابد لها من (صفوة) تحملها و (أمة) تحميها.. (أمة) تحمل هذا الدين، وتهدي به وتحاول أن تقول: (( ومِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ ) ). (أمة) قال الله عنها: (( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) )، (أمة) رعيلها الأول أبو بكر العربي، وبلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وإخوانهم الكرام، (أمة) تتوالى أجيالها على هذا النسق الرائع.. الجنسية فيها للعقيدة، والوطن فيها دار الإسلام، والحاكم فيها هو الله، والدستور فيها هو القرآن.

إلا بما صلح به أولها

وإذن فلابد من بعث (الأمة) لكي يؤدي الإسلام دوره المرتقب في قيادة البشرية مرة أخرى.. وبعث آخر هذه الأمة إنما يكون بما بعث الله به أولها، فحين ولدت هذه (الأمة) كان ذلك الميلاد صادرًا عن عقيدة واضحة قوية ولسان يستمد من القرآن سحره وتأثيره وهذا هو الطريق اليوم .. تصحيح مفهوم العقيدة وتخليصها من كل ما شابها وتجليتها ناصعة واضحة، ودعوة الناس إلى أن يقيموا حياتهم على قاعدة الإسلام الأولى وتجريدها من التلبس بغيرها من المفاهيم الغريبة عليه.

ثم الانطلاق بهذا المفهوم انطلاقًا جادًا يتربى خلاله الأفراد على الأخلاق الإسلامية ويدرسون الحركة الإسلامية وخط سير الإسلام في التعامل مع كل المعسكرات والمجتمعات البشرية، والعقبات التي كانت في طريقه ولا تزال تتزايد بشدة، وبخاصة من المعسكرات الصهيونية والصليبية.

فإذا وصل الأفراد إلى ذلك المستوى من الخلق والفهم فلربما يتكون لدينا جيل (الصفوة) الذين على أكتافهم تقع مسئولية تكوين وتربية الدعاة الصادقين الذين عبرهم يتم بعث الأمة وإحياؤها من جديد.

وختامًا نؤكد أننا لن نستطيع أن ننقذ ذريتنا من الأجيال القادمة من براثن الجاهلية إلا بالعمل الشاق وتربية جيل مسلم و (أمة) مسلمة وعندما نحقق ذلك نكون قد انتصرنا على الجاهلية من حولنا وشرعنا في بناء حياة جديدة إذ بدأنا عملنا بجهود جماعة و (أمة) وليس جهد فرد واحد (قائد) ..

نحو عالمية الدعوة

ليست شخصية حالمة تلك التي تتطلع في بذلها للدين أن يصل مجهودها إلى المستوى العالمي. وليست من الأماني الكاذبة أن يتمادى الدعاة في تمني اليوم الذي تصبح دعوتهم الإسلامية شأنا عالميا يحسب له ألف حساب .

ونحن في حديثنا عن قضية خدمة الدين نحاول أن نجمع بين الواقعية والطموح العالي، ونجنح عن الدعة والخطط الساذجة بقدر جنوحنا عن التهور والخيال المستحيل . وفرق بين يقين النصر الذي يمثل دعامة أساسية في عقيدة الداعية، وبين مصادمة السنن الكونية بل والشرعية بزعم أن الله سينصر عباده المؤمنين .

تلك الكلمات السابقة وإن كانت صارمة فهي ضرورية قبل أن نشرع في تفصيل العنوان، ذلكم أن من بدهيات العقول أن النتائج رهينة الإمكانيات، والنجاح قرين البذل المتاح، وتحقق الغاية مرتبط بتحقق الوسيلة، وكل ذلك لا يقدح في كرامة الله لأوليائه بالنصر مع الذلة والقلة، فحديثنا عما يجب أن يعتمل في صدر الداعية من حرص على اتخاذ الأسباب .

حقيقة شرعية

إن عالمية الدعوة الإسلامية هاجس ينبغي أن يلح في طموح كل داعية إلى دين الله تبارك وتعالى، ومشروع ينبغي ألا يغيب عن أذهان الغيورين على دين الإسلام. فهي حقيقة شرعية بلا امتراء، قال الله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) وقال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) وقال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) وقال تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله له ) وقال تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) رواه مسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت