الصفحة 386 من 3812

وقد جعل الله في هذه الأمة وسابقاتها قدوات كثيرين من الرجال وكان النساء في هذا الجانب أندر وأعز، ففي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم:"كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ... ولكن الله لم يحرم نساء هذه الأمة من نماذج تقتدي بهن المؤمنات وهن والحمد لله كثيرات كأمهات المؤمنين، وصحابيات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وغيرهن من التابعيات الجليلات .. ونحن هنا نقدم للمؤمنين والمؤمنات واحدة من هؤلاء الفضليات:"

إنها أسماء بنت أبي بكر الصديق .. أم عبد الله القرشية التيمية المكية ثم المدنية والدة الخليفة عبد الله بن الزبير وأخت أم المؤمنين عائشة وآخر المهاجرات وفاة، روت عدة أحاديث وعمرت دهرًا وتعرف بذات النطاقين.. الصادقة الذاكرة، الصابرة الشاكرة، أسماء البطولة، أسماء الصدق ، أسماء الطهر أسماء الجود أسماء الكرم أسماء الشجاعة أسماء الفداء... وغيرها من المعاني التي تجدها في ترجمتها، وكيف لا تكون كذلك وهي سليلة بيت الخير، ومجاورة بيت النبوة، وأخت عائشة الصديقة الكبرى، والتي كانت تكبرها أسماء بعشر سنين؟!

أسماء العبادة والجود

يقول ابن الزبير رضي الله عنهما: ما رأيت امرأة قط أجود من عائشة وأسماء، وجُودهما مختلف: أما عائشة فكانت تجمع الشيء إلى الشيء حتى إذا اجتمع عندها وضعته مواضعه، وأما أسماء فكانت لا تدخر شيئا إلى غد.

وعن فاطمة بنت المنذر: أن أسماء كانت تمرض المرضة فتعتق كل مملوك لها .

ويقول ابن أبي مليكة عنها: كانت أسماء تصدع فتضع يدها على رأسها وتقول: بذنبي وما يغفره الله أكثر.

يقول ابنها عروة: دخلت على أسماء وهي تصلي فسمعتها وهي تقرأ هذه الآية"فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم"فاستعاذت فقمت وهي تستعيذ، فلما طال عليّ أتيت السوق ثم رجعت وهي في بكائها تستعيذ.

أسماء الكرامة والإباء

إنها الكريمة الأبية واضعة قاعدة الكرامة حين قالت لابنها عبد الله بن الزبير، وقد أحاطت به جنود الحجاج: يا بني عش كريما ومت كريما، لا يأخذك القوم أسيرًا.

ولما قتل الحجاج ابنها عبد الله دخل عليها فقال: يا أمه .. إن أمير المؤمنين قد وصاني بك فهل لك من حاجة ؟

قالت: لست لك بأم ولكني أم المصلوب على راس الثنية، ومالي حاجة.. ولكن أحدثك .. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج من ثقيف كذاب ومبير: فأما الكذاب فقد رأيناه - تعني المختار الثقفي - وأما المبير فأنت .

وقال القاسم بن محمد: جاءت أسماء بنت أبي بكر مع جوار لها، وقد ذهب بصرها، فقالت: أين الحجاج؟ قلنا ليس ههنا ، قالت: فمروه فليأمر لنا بهذا العظام فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن المثلة .. قلنا إذا جاء قلنا له.. قالت إذا جاء فاخبروه أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن في ثقيف كذابا ومبيرًا.

أسماء والهجرة

وإذا ذكرت الهجرة فحيهلا بأسماء .. كانت وقتها ما زالت فتاة صغيرة يافعة، ولكنها حملت أمانة أشفق من حملها الرجال، عندما دخل النبي وصاحبه إلى الغار كانت تقطع ثلاثة أميال في جوف الليل ووحشة الطريق بين أسنة الصخر ومساحات الرمال الشاسعة حتى تصل إلى الجبل فتصعد إلى قمته منحدرة إلى الغار لتقوم بمهمة الفدائي وحمل أمانة الإمداد والتموين للرحلة المباركة ـ فبارك الله فيها وعليها:

روى البخاري وأحمد عنها قالت: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج إلى المدينة صنعت سفرته في بيت أبي بكر، فقال أبو بكر: ابغيني معلاقا لسفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصاما لقربته فقلت ما أجد إلا نطاقي!! قال: فهاتيه.. قالت: فقطعته باثنين فجعل إحداهما للسفرة والأخرى للقربة؛ فلذلك سميت ذات النطاقين.

وانطلق النبي وصاحبه مهاجرين وجاء المشركون للبحث والتنقيب ومعرفة الطريق ولكن أنى لمثل أسماء أن تخبرهم وتفشي خبر النبي صلى الله عليه وسلم!! تقول: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر قالت:"قلت: لا أدري والله أين أبي. قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشا خبيثا، فلطم خدي لطمة خر منها قرطي، قالت ثم انصرفوا."

وبعد درس الصبر هذا وحفظ الدعوة وأهلها يأتي درس آخر أجمل حيث تقول: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر معه احتمل أبو بكر ماله كله معه خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم فانطلق بها معه، فدخل علينا جدي أبو قحافة ـ وقد ذهب بصره ـ فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه؟! قلت: كلا يا أبت!! إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرا.. فأخذت أحجارًا فوضعتها في كوة في البيت ـ كان أبي يضع فيها ماله ـ ثم وضعت عليها ثوبا ثم أخذت بيده فقلت: ضع يدك يا أبت على هذا المال، فوضع يده فقال: لا بأس.. إن كان ترك لكم هذا فقد أحسن، ففي هذا لكم بلاغ .. قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئا ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك.

رسالة إلى كل زوجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت