الصفحة 387 من 3812

وفي زمان تتفنن فيه الزوجات للتهرب من أداء واجبهن نحو الأزواج تأتي الرسالة إليهن من أسماء ليعرفن ماذا ينبغي أن تفعل الزوجات.. تحكي أسماء عن نفسها فتقول: تزوجني الزبير، وكان له فرسه فكنت أسوسه وأعلفه وأدق لناضحه النوى وأستقي وأعجن، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي ـ وهي على ثلثي فرسخ ـ فجئت يوما والنوى على رأسي فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر، فدعاني فقال: إخ إخ ليحملني خلفه فاستحييت وذكرت الزبير وغيرته. قالت فمضى، فلما أتيت أخبرت الزبير فقال: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه. قالت: حتى أرسل إليّ أبو بكر بعد ذلك بخادم فكفتني سياسة الفرس فكأنما أعتقني .

وللأمهات أيضا

لقد كان موقف أسماء مع ابنها عبد الله بن الزبير شامة في جبينها ورسالة أرسلت بها إلى كل أم مسلمة درسا في كيفية التربية والحث للأبناء على الرفعة ورباطة الجأش وذلك خلال حرب الحجاج له، فما زالت تقف بجانبه تشد أزره وتقوي قلبه وتقول له وقد أحاطت به جنود الحجاج: يا بني عش كريما ومت كريما، لا يأخذك القوم أسيرًا.

قال عروة دخلت أنا وأخي قبل أن يقتل على أمنا بعشر ليال وهي وجعة، فقال عبد الله: كيف تجدينك؟ قالت وجعة. قال: إن في الموت لعافية . قالت: لعلك تشتهي موتي فلا تفعل. وضحكت وقالت: والله ما أشتهي أن أموت حتى تأتي على أحد طرفيك: إما أن تقتل فأحتسبك، وإما أن تظفر فتقر عيني.. إياك أن تعرض على خطة فلا توافق فتقبلها كراهية الموت. وكان عمرها عند ذلك مائة سنة.

وقتل الحجاج عبد الله بن الزبير وصلبه، فجاءت أمه عجوز طويلة عمياء فقالت للحجاج: أما آن للراكب أن ينزل؟! فقال المنافق؟ قالت: والله ما كان منافقا، كان صواما قواما برا. قال: انصرفي يا عجوز فقد خرفت. قالت: لا والله ما خرفت منذ سمعت رسول الله يقول في ثقيف كذاب ومبير.

وجاء ابن عمر ليعزيها عندما قيل له: إن أسماء في ناحية المسجد، فمال إليها فقال: إن هذه الجثث ليست بشيء وإنما الأرواح عند الله فاتقي الله واصبري. فقالت: وما يمنعني وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل.

قال ابن أبي مليكة: دخلت علي أسماء بعد قتل ابنها عبد الله بن الزبير فقالت: بلغني أنهم صلبوا عبد الله منكسا، اللهم لا تمتني حتى أوتى به، فلم يلبث أن أتيت به فغسلته بيدها وطيبته ثم حنطته ثم دفنته وصلت عليه. بعد ما ذهب بصرها. قال أيوب فحسبته قال فعاشت بعد ذلك ثلاثة أيام.

قال ابن سعد ماتت بعد ابنها بليال وكان قتله لسبع عشرة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين.

قال الإمام الذهبي في السير: قلت كانت خاتمة المهاجرين والمهاجرات.

فرضي الله عن أسماء ورضي عنهم جميعا من آل بيت.

الحركة في قاموس الدعاة

الحركة كما يقولون ولود، والسكون عقيم، والحركة في قاموس الدعاة هي الحياة، والسكون هو الموت، والحركة هي الحد الفاصل بين عهد الرخاوة، وبين عهد حمل الأمانة بعزم وحزم ووفاء.

وبالحركة انتشر المسلمون الأوائل مثل شعاع الشمس في أقطار الأرض، يفتحون البلاد، وقلوب العباد، ويدعون إلى التوحيد، ويحطمون الطواغيت، ويقودون الناس إلى الجنة. وبالحركة صاروا في ظلمات الحياة سراجًا وهَّاجًا، فإذا الباطل رماد بعد التهاب، وخمود بعد حركة.

والماء إذا سكن فسد ، والأسد إذا توقفت عن الصيد ماتت جوعا، والسهم لا يصيب إلا إذا أطلق من كنانته وقوسه كما قال الإمام الشافعي رحمه الله:

إِني رأيتُ وقوف الماء يفسده.. ... ..إن ساح طاب، وإن لم يجر لم يطب

والأُسْدُ لولا فراق الأرض ما افترست.. ... ..والسهم لولا فراق القوس لم يصب

والشمس لو وقفت في الفلك دائمة.. ... ..لملَّها الناس من عجم ومن عربِ

فعلى الداعية أن يتحرك، ويحرك الآخرين، مبتدئًا بعشيرته الأقربين:

كُنْ مشعلًا في جُنْح ليلٍ حالكٍ.. ... ..يهدي الأنَامَ إلى الهدى ويُبيِّنُ

وانشط لدينك لا تكنْ متكاسلًا.. ... واعمل على تحريك ما هو ساكنُ

وابدأ بأهلك إنْ دعَوَتَ فإنهم.. ... ..أولى الورى بالنصح منك وأَقْمَنُ

والله يأمر بالعشيرة أوَّلا.. ... ..والأمر من بعد العشيرة هَيِّنُ

الحركة قيامة وبعثُ للرُّوح:

"لا يكون المؤمن العامر القلب إلاَّ متحركًا محركًا، أما المتباطئ الذي يعد بالالتحاق بعد ما تظهر بوادر النجاح، فإنما يعد وعد الضعاف. فلا تؤجل الانضواء تحت لواء الحق، وإلاَّ عضضت أسنة الندم."

دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا الجوشن الضبابي إلى الإسلام بعد بدر؛ فقال له:"هل لك إلى أن تكون من أوائل هذا الأمر؟ قال: لا. قال: فما يمنعك منه؟ قال: رأيت قومك كذبوك، وأخرجوك، وقاتلوك، فانظر: فإن ظهرت عليهم آمنت بك واتبعتك، وإن ظهروا عليك لم أتبعك". فكان ذو الجوشن يتوجع على تركه الإسلام حين دعاه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم"."

فكن رائدًا، وأجب داعي الله، بلا تلكؤ ولا تلعثم، ولا تردد، فهذا هو شأن المؤمنين.

قال إبراهيم عليه السلام:"يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر". قال:"فاصنع ما أمرك ربك". قال:"وتعينني؟". قال: وأعينك"."

وقد كان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ينادي في موسم الحج:"من يحملني حتى أبلغ رسالة ربي؟". وهاهو صلى الله عليه وسلم يناشدك:"بلِّغوا عني ولو آية". ويدعو لمن يبلغ عنه:"نضَّر الله امرءًا سمع منَّا شيئًا، فبلَّغه كما سمعه، فرُبَّ مُبلِّغٍ أوعى من سامعٍ". ورُوي أنه كان يقول صلى الله عليه وسلم في دعائه:"اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين".

واسمع إلى الغزالي رحمه الله وهو يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت