فهرس الكتاب
عن جعفر بن سليمان قال:"سمعت مالك بن دينار يقول: لو استطعت أن لا أنام؛ لم أنم مخافة أن ينزل العذاب وأنا نائم، ولو وجدت أعوانًا، لفرَّقتهم ينادون في سائر الدنيا كلها: يا أيها الناس! النارَ النارَ".
وعن إبراهيم بن الأشعث قال:"كنا إذا خرجنا مع الفضيل في جنازة لا يزال يعظ، ويذكر ويبكي، حتى لكأنه يودِّعُ أصحابه ذاهبا إلى الآخرة، حتى يبلغ المقابر، فيجلس فكأنه بين الموتى حتى يقوم، ولكأنه رجع من الآخرة يخبر عنها".
وعن شجاع بن الوليد قال:"كنت أخرج مع سفيان الثوري، فما يكاد لسانه يفتر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهبًا وراجعًا".
والإمام الزهري:"لم يكتف بتربية أجيال وتخريج أئمة في الحديث، بل كان ينزل إلى الأعراب، يعلمهم".
أما الشيخ أبو إسحاق الفزاري رحمه الله: فقد"كان رجل عامة، وهو الذي أدَّب أهل الثغور الإسلامية التي في أعالي بلاد الشام والجزيرة تجاه الروم، وعلَّمهم سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يأمر وينهى، وإذا دخل الثغر رجل مبتدع أخرجه".
وأما الإمام الجليل الخِرقي صاحب"المختصر"فقد قال الإمام ابن قدامة رحمه الله:"وسمعت من يذكر أن سبب موته، أنه أنكر منكرًا بدمشق، فضرب، فكان موته بذلك".
وقال جعفر بن برقان: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز، وقال في كتابه:"ومُرْ أهل الفقه من جندك، فلينشروا ما علمهم الله في مساجدهم ومجالسهم، والسلام".
وعن عثمان بن عطاء عن أبيه قال:"إن أوثق عملي في نفسي نشري العلم". وعطاء بن أبي رباح مفتي مكة هو القائل:"لأن أرى في بيتي شيطانًا؛ خير من أن أرى فيه وسادة، لأنها تدعو إلى النوم".
وما أجمل ما قال الشيخ القرضاوي وهو يجادل الخاملين، ويحاج الخامدين، ويوبخ الهامدين:
قالوا: السعادة في السكون.. ... وفي الجمود وفي الخمود
في العيش بين الأهل .. ... ..لا عيش المهاجر والطريد
في المشي خلف الركب في .. ... دعة وفي خطو وئيد
في أن تقول كما يقال.. ... ..فلا اعتراض ولا ردود
في أن تسير مع القطيع.. ... .. وأن تقاد ولا تقود
في أن تصيح لكل وال:.. ... .. عاش عهدكم المجيد
قلت: الحياة هي التحرك.. ... ..لا السكون ولا الهمود
وهي الجهاد، وهي يجا.. ... ..هد من تعلق بالقعود؟
وهي التلذذ بالمتاعب.. ... ..لا التلذذ بالرقود
هي أن تذود عن الحياض.. ... ..وأي حر لا يذود؟
هي أن تحس بأن كأس.. ... ..الذل من ماء صديد
هي أن تعيش خليفة .. ... في الأرض شأنك أن تسود
وتقول: لا، ونعم، إذا ما.. ... ..شئت في بصر حديد
ــــــــــــــــــــ
انظر"علو الهمة"للشيخ محمد إسماعيل
الدعاة وحمل هم الأمة
لم تكن صرخة حبيب النجار بقومه حين جاء من أقصى المدينة يسعى بالنصيحة لهم مجرد حادثة من رجل أحب الخير لأهله وخشي عليهم الهلاك والعذاب، كما لم تكن صيحة مؤمن آل فرعون بقومه كذلك .. وإنما كان ذلك علامة على أن من أعظم ما يهتم به الداعية المؤمن المشفق هداية قومه، وبلوغ الجهد في النصح لهم، كما يتضح ذلك جليًّا لمن تدبر سيرة سيدنا نوح على سبيل المثال، وكذا قصص سائر المرسلين، حتى خاتمهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم، وكذا أتباعهم إلى يومنا هذا .
وأنت إذا تأملت قوائم عظماء رجالات الإسلام من الرعيل الأول فمن بعدهم لرأيت أن"علو الهمة"هو القاسم المشترك بين كل هؤلاء الذين اعتزوا بالإسلام، واعتز بهم الإسلام، ووقفوا حياتهم لحراسة الملة وخدمة الأمة، سواء كانوا علماء أو دعاة أو مجددين أو مجاهدين أو مربين أو عُبَّاد صالحين، ولو لم يتحلوا بعلو الهمة لما كان لهم موضع في قوائم العظماء، ولما تربعوا في قلوب أبناء ملتهم، ولا تزينت بذكرهم صحائف التاريخ، ولا جعل الله لهم لسان صدق في الآخرين.
لقد كانت أسوتهم في حمل هَمِّ الأمة - بل في كل باب من أبواب الخير - هو الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، الذي شارك المسلمين آلامهم، وكان في حاجتهم حتى حطمه الناسُ صلى الله عليه وسلم.
فعن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة رضي الله عنها:"أكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يصلي جالسًا؟"قالت:"بعد ما حطمه الناس". أي حملوه أثقالهم حتى صار شيخا محطوما. والحديث رواه أحمد ومسلم.
وتأمل استنكاره صلى الله عليه وسلم دعاء الأعرابي:"اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا"وقوله له:"لقد حجَّرت واسعًا". وكذا قوله صلى الله عليه وسلم:"من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة". وقوله صلى الله عليه وسلم في وصف أهل الجنة:"ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم".
فلا هطلت عليَّ ولا بأرضي.. ... ..سحائبُ ليس تنتظم البلادَ
والداعية إلى الله الكبير الهمة يقدر تبعات هذا المقام الرفيع، فهو يظمأ حيث يروي الناس، ويسهر حيث ينامون، ويجوع حيث يشبعون، ويتعب حيث يستريحون، ويقدم حيث يحجمون.
عن عليٍّ رضي الله عنه قال:"كنا إذا احمَّر البأسُ، ولقي القومُ القومَ اتَّقَيْنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون منا أحدٌ أدنى من القوم منه".
وعن البراء رضي الله عنه قال:"كنا والله إذا احمَّر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به صلى الله عليه وسلم".