الصفحة 40 من 3812

و { أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ } أى: أصحاب مناقب حميدة ، وخصال كريمة ، وعقول راجحة . . .

وأصل البقية: ما يصطفيه الإِنسان لنفسه من أشياء نفيسة يدخرها لينتفع بها ، ومنه قولهم: فلان من بقية القوم ، أى: من خيارهم وأهل الفضل فيهم ، قال الشاعر:

إن تذنبوا ثم تأتينى بقيتكم ... فما على بذنب منكم فوت

وفى الأمثال: في الزوايا خبايا ، وفى الرجال بقايا .

والفساد في الأرض: يشمل ما يكون فيها من المعاصى واختلال الأحوال وارتكاب المنكرات والبعد عن الصراط المستقيم .

والمعنى: فلا وجد من أولئك الأقوام الذين كانوا من قبلكم ، رجال أصحاب خصال كريمة ، وعقول سليمة ، تجعلهم هذه الخصال وتلك العقول ينهون أنفسهم وغيرهم عن الإِفساد في الأرض ، وعن انتهاك الحرمات؟

كلا إنهم لم يكن فيهم هؤلاء الرجال الذين ينهون عن الفساد في الأرض ، إلا عددا قليلا منهم أنجيناهم بسبب إيمانهم عن الفساد في الأرض .

وفى هذا من التوبيخ لأهل مكة ولكل من تقاعس عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ما فيه ، لأن الله - تعالى - بين أن عذاب الاستئصال الذى حل بالظالمين السابقين ، كان من أسبابه عدم نهيهم عن الفساد في الأرض .

قال الشوكانى: والاستثناء في قوله { إِلاَّ قَلِيلًا . . . } منقطع ، أى: لكن قليلا ممن أنجينا منهم كانوا ينهون عن الفساد في الأرض ، وقيل: هو متصل ، لأن في حرف التحضيض معى النفى ، فكأنه قال: ما كان في القرون أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض ، إلا قليلا من أنجينا منهم ، ومن في قوله { مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ } بيانية ، لأنه لم ينج إلا الناهون .

وقال ابن كثير: ولهذا أمر الله - تعالى - هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأولئك هم المفلحون ، وفى الحديث:"إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه ، أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده"ولهذا قال: { فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد فِي الأرض . . . }

وقوله: { واتبع الذين ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ . . . } إشارة إلى أن هؤلاء القاعدين عن النهى عن الإِفساد في الأرض ، قد استمروا على فجورهم وفسقهم دون أن يلتفتوا إلى خصال الخير ، وإلى سبيل الصلاح .

وأترفوا من الترف ومعناه التقلب في نعم الله - تعالى - مع ترك شكره - سبحانه - عليها .

والمترف: هو الشخص الذى أبطرته النعمة ، فانغمس في الشهوات والمعاصى ، وأعرض عن الأعمال الصالحة . .

والجملة الكريمة معطوفة على كلام مقدر يقتضيه الكلام ، والمعنى: أن هؤلاء الذين لم يكن فيهم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا من استثنى ، قد استمروا في طغيانهم واتبعوا ما أنعموا فيه من الثروة والعيش الهنئ والشهوت العاجلة ، فكفروا النعمة ، واستكبروا وفسقوا عن أمر ربهم ، وكانوا قوما مجرمين ، أى مصرين على ارتكاب الجرائم والمنكرات ، فحق عليهم العقاب الذى يستحقونه بسبب هذه السيئات . (1)

وهذه الإشارة تكشف عن سنة من سنن الله في الأمم . فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير الله ، في صورة من صوره ، فيجد من ينهض لدفعه هي أمم ناجية ، لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير . فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون ، ويفسد فيها المفسدون ، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد ، أو يكون فيها من يستنكر ، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد ، فإن سنة الله تحق عليها ، إما بهلاك الاستئصال . وإما بهلاك الانحلال . . والاختلال!

فأصحاب الدعوة إلى ربوبية الله وحده ، وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالدينونة لغيره ، هم صمام الأمان للأمم والشعوب . . وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين لإقرار ربوبية الله وحده ، الواقفين للظلم والفساد بكل صوره . . إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب ، إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب الله ، واستحقاق النكال والضياع . . (2)

الأمر بالعدل والنهي عن الفحشاء والمنكر

قال تعالى: { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) } ( النحل)

واعلم أنه تعالى لما استقصى في شرح الوعد والوعيد والترغيب والترهيب أتبعه بقوله: { إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان } فجمع في هذه الآية ما يتصل بالتكليف فرضًا ونفلًا ، وما يتصل بالأخلاق والآداب عمومًا وخصوصًا ، وفي الآية مسائل:

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 2268)

(2) - في ظلال القرآن - (ج 4 / ص 273)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت