المسألة الأولى: في بيان فضائل هذه الآية روي عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون الجمحي قال: ما أسلمت أولًا إلا حياء من محمد عليه السلام ولم يتقرر الإسلام في قلبي فحضرته ذات يوم فبينما هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء ثم خفضه عن يمينه ، ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال:"بينما أنا أحدثك إذا بجبريل نزل عن يميني فقال: يا محمد إن الله يأمر بالعدل والإحسان ، العدل شهادة أن لا إله إلا الله والإحسان القيام بالفرائض وإيتاء ذي القربى ، أي صلة ذي القرابة وينهى عن الفحشاء الزنا ، والمنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي الاستطالة"قال عثمان: فوقع الإيمان في قلبي فأتيت أبا طالب فأخبرته فقال: يا معشر قريش اتبعوا ابن أخي ترشدوا ولئن كان صادقًا أو كاذبًا فإنه ما يأمركم إلا بمكارم الأخلاق ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمه اللين قال: يا عماه أتأمر الناس أن يتبعوني وتدع نفسك وجهد عليه ، فأبى أن يسلم فنزل قوله: { إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } [ القصص: 56 ] وعن ابن مسعود رضي الله عنه: إن أجمع آية في القرآن لخير وشر هذه الآية ، وعن قتادة ليس من خلق حسن كان في الجاهلية يعمل ويستحب إلا أمر الله تعالى به في هذه الآية وليس من خلق سيء إلا نهى الله عنه في هذه الآية ، وروى القاضي في «تفسيره» عن ابن ماجه عن علي عليه السلام أنه قال: أمر الله تعالى نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب ، فخرج وأنا معه وأبو بكر فوقفنا على مجلس عليهم الوقار فقال أبو بكر: ممن القوم؟ فقالوا: من شيبان بن ثعلبة فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشهادتين وإلى أن ينصروه فإن قريشًا كذبوه فقال مقرون بن عمرو: إلام تدعونا أخا قريش فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان } الآية فقال مقرون بن عمرو: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك ، وعن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على الوليد فاستعاده ، ثم قال: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته"
والله أعلم .
المسألة الثانية: في تفسير هذه الآية ، أكثر الناس في تفسير هذه الآية قال ابن عباس في بعض الروايات العدل شهادة أن لا إله إلا الله ، والإحسان أداء الفرائض وقال في رواية أخرى: العدل خلع الأنداد والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه وأن تحب للناس ما تحب لنفسك فإن كان مؤمنًا أحببت أن يزداد إيمانًا ، وإن كان كافرًا أحببت أن يصير أخاك في الإسلام . وقال في رواية ثالثة: العدل هو التوحيد والإحسان الإخلاص فيه . وقال آخرون: يعني بالعدل في الأفعال والإحسان في الأقوال ، فلا تفعل إلا ما هو عدل ولا تقل إلا ما هو إحسان وقوله: { وَإِيتَآئِ ذِى القربى } يريد صلة الرحم بالمال فإن لم يكن فبالدعاء ، روى أبو مسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن أعجل الطاعة ثوابًا صلة الرحم إن أهل البيت ليكونوا فجارًا فتنمى أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا أرحامهم » وقوله: { وينهى عَنِ الفحشاء } قيل: الزنا ، وقيل: البخل ، وقيل: كل الذنوب سواء كانت صغيرة أو كبيرة ، وسواء كانت في القول أو في الفعل ، وأما المنكر فقيل: إنه الكفر بالله تعالى ، وقيل: المنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة ، وأما البغي فقيل: الكبر والظلم ، وقيل: أن تبغي على أخيك .