الصفحة 405 من 3812

الثالث: علو الهمة ، لأن خسيس الهمة لا يصلح لمثل هذا الأمر ، لأنه عمل شاق يحتاج إلى بذل وتضحية ، بالوقت والمال ، وربما بالنفس في كثير من الأحيان ، وهذا أمر لا يقدر عليه كل إنسان ولا يوفق له كل أحد ، وإن لم يكن الداعية على قدر المسؤولية: ثابتا عند الشدائد ، رابط الجأش عند النوائب فإن ضرر مثله على الدعوة أكثر من منفعته .

الرابع: الرغبة في حمل الرسالة ، والتيقن بأن الانتساب إلى الدعوة شرف ورفعة قدر ، وأن نكوصه عن العمل لن يضر الدعوة بل يضره هو: { وإن تتولوا يستبدل قوما غركم ثم لا يكونوا أمثالكم} (محمد:38) .

وروى عن عكرمة قال: قال عيسى ـ عليه السلام ـ:"لا تطرح اللؤلؤ إلى الخنزير ، فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئًا ، ولا تعط الحكمة لمن لا يريدها ، فإن الحكمة خير من اللؤلؤ ، ومن لا يريدها شر من الخنزير".

ومنها: حسن السيرة ، والحرص على المبادرة بالعمل بما يسمع ويقرأ ، وذلك حتى لا تؤثر فيه عاداته السيئة بعد انتسابه للدعوة ، وانضمامه إلى صفوفها ، فيصير فتنة تصُدُّ الناس عن طريق الله تعالى . إلا أن يتوب منها توبة نصوحا ، ويتبرأ من سالف سيئ الأخلاق ، فإن التوبة تجب ما كان قبلها.

يقول الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه:"لا يؤخذ العلم من أربعة ، ويؤخذ ممن سوى ذلك ، لا تأخذ من سفيه معلن بالسفه ، وإن كان أروى الناس ، ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس ، إذا جُرِّب ذلك عليه ، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله ، ولا من صاحب هوىً يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخ له فضل وعبادة ، إذا كان لا يعرف ما يُحَدِّث".

فإذا روعي في الداعية هذه المواصفات عند اختياره ، فإن من الواجب ـ بالإضافة إلى ما سبق ـ مراعاته بالتجارب العملية ، واختباره قبل تقليده المسؤولية ، حتى يتخير له المكان المناسب لإمكاناته ، ليتمكن من الإبداع فيه، والانتفاع به قدر الطاقة.

إن اختيار الداعية أمر خطير له أثره على الدعوة والمدعوين ، فلزم أن يحتاط في اختيار العاملين في هذا الحقل الهام ، وإذا كانت بعض المؤسسات تعقد اختبارات لاختيار المتقدمين للعمل فيها ، وبعض الكليات تقيم اختبار هيئة ولا تقبل إلا من توفرت فيه شروط خاصة ، فليس العمل في الدعوة بأقل من هذا ، بل هي أحرى فإن الدعاة هم لسان الأمة ، وقلبها النابض ، ومظهر عزتها وكرامتها في الدنيا والآخرة.

إن المجتمع لا يسند جليل المهام لمغفل أو أحمق ، ولا يعرف لهؤلاء في المجتمع مكان ، فهل من اللائق أن ينفوا من دنيا الناس ، ليتصدروا في دين الله ؟ إن دين الله أرقى وأشرف من أن نتعامل معه بهذا الأسلوب .

عدة الداعي .. الإيمان العميق

يقول ربي وخير القول قول ربي: { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين } (الحج: 11) .

لئن كان هذا هو وصف بعض أهل الشك والنفاق، فإن وصف الداعية إلى الله على عكس ذلك تماما .. فإنما هو على يقين بأن الإسلام ـ الذي هداه الله إليه وأمره بالدعوة إليه ـ حق خالص ، وهذه بدهية لا تحتمل نقاشا ولا شكا ولا جدلا ولا مراجعة وإعادة نظر ، وأي تحول عن هذا اليقين أو ميل إلى غيره إنما يعني اتباع الأهواء الباطلة: {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين * قل إني على بينة من ربي وكذبتم به } ( الأنعام: 56، 57) .

وإيمان الداعية ويقينه بأحقية الإسلام قائم على علم قطعي وبينة راسخة ، تجعل هذا الإيمان يسري في دمه ، ويعيش في وجدانه ، فلا ينقطع عن العمل له أبدا .

وهذا الإيمان هو باب الثبات ومفتاح الرسوخ مهما كانت حال العاملين ـ أو حال الدعوة ـ من ضعف في الإمكانات ، أو قلة في الأعداد والإمداد ، أو اضطهاد من أهل الكفر والعناد ، أو انصراف الناس عن دعوته .. وللدعاة أسوة حسنة في سيدنا نوح عليه السلام ، وكذلك في نبينا صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حبسهم في الشعب ، وفي الهجرة للحبشة ، والخروج من مكة ، والهزيمة في غزوة أحد ، والحصار في الخندق ، .. ، .. ، فخرجوا من كل هذه المحن سالمين ، بفضل الله تعالى ، ثم بفضل إيمانهم الذي لا يتزعزع بهذا الدين الحق .

والدعاة في زماننا هذا أحوج ما يكونون إلى هذا الإيمان الوثيق، وذاك اليقين الكامل، خصوصا مع صولة الكفر وجولته، وارتفاع صوت الباطل وكلمته، واضطهاد أهل الإيمان المتمسكين بأوامره ، المحاولين إظهار شعائره ، وبعد إعلان أهل الكفر عداءهم ، وإظهارهم مكنونات صدورهم من حقد على الإسلام وأهله ، وخاصة الداعين إليه المجاهدين في سبيله ، وبعد تمالؤ أهل النفاق مع إخوانهم الذين كفروا في تضييق الأرض على المؤمنين ، ومطاردتهم في أي مكان نزلوا أو أي موطن حلوا ، فلم يعد لأهل التقوى إلا الاعتصام بالله والركون إليه ، والرجوع إلى ذخيرة الإيمان، وسلاح اليقين ، حتى يأتي الله بأمره ـ وهو آت ولابد بإذن الله رب العالمين: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب } (البقرة:214) .

ثمرات الإيمان

هذا الإيمان بالله له ثمرات لابد أن تظهر على صاحبه.. منها:

ـ محبة الله ، ورجاء رحمته ، وخوف عقوبته .

ـ الولع بذكره سبحانه في كل لحظاته ، والأنس به في خلواته وجلواته ، والتلذذ بطاعته الموصلة إلى تحصيل مرضاته ، وإيثار ما يحبه الله على جميع مستحباته هو ورغباته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت