فهرس الكتاب
وأما من حيث الأجر والثواب: فقد وعدهم الله بالأجر الكبير والفضل الكثير ، بالغلبة في الدنيا ، والفلاح يوم الدين: { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } (غافر:51) .. وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لعلي يوم خيبر: [انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه ، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم] .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا ] .
وقال صلى الله عليه وسلم: [معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر ] (رواه الطبراني وغيره وهو صحيح) .
ولما كان الدعاة الصادقون المخلصون قوما يعيشون لدعوتهم ، ولأمتهم ، ولمجتمعهم ، فدعوتهم همهم بالليل والنهار ، وهي فكرهم في النوم واليقظة ، وشغلهم الشاغل في السر والعلن، يؤثرون من أجلها التعب والنصب ، ويضحون في سبيلها بالوقت والجهد والمال ، بل وبالمهج والأرواح ، ويستعذبون ، في سبيل نشرها وإبلاغها ، البلاء الشديد والعذاب الأليم ، لسان حالهم:
مناي من الدنيا علوم أبثها ... وأنشرها في كل باد وحاضر
دعاء إلى القرآن والسنن التي ... تناسى رجال ذكرها في المحاضر
فقد استحقوا بذلك تكريم الله لهم ، وتشريفه إياهم بقوله تعالى فيهم: {ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين } ( فصلت 33) . وكفى بهذا فضلا وكرما.. والحمد لله رب العالمين.
أهمية إعداد الدعاة
الدعاة إلى الله هم طليعة صلاح الأمة ، ومبتدأ هدايتها ، ودليلها إلى طريق الله الذي هو طريق العز والنصر والتمكين، وطريق الفوز في الدنيا والآخرة .. هذا أمر يكاد أن يكون محل إجماع أولي العقل والنهى ، وأصحاب البصائر والبصر بوقائع الدهر وتصريفات الأيام والدول .
فالداعية هو العامل الفذ الذي ينفرد بالتأثير والتوجيه في عملية الدعوة ؟ إذ لا يشاركه في ذلك ـ عادة ـ منهج موضوع، ولا كتاب مقرر ، ولا إدارة ، ولا توجيه . فالداعية وحده هو ـ في غالب الأمر ـ الإدارة والتوجيه ، والمنهج والكتاب والمعلم ، وعليه وحده يقع عبء هذا كله .
وهذا يجعل العناية بتكوين الدعاة ، وإعدادهم الإعداد المتكامل ، أمرًا بالغ الأهمية ، وإلا أصيبت كل مشروعات الدعوة بالخيبة والإخفاق ، في الداخل والخارج ؛ لأن شرطها الأول لم يتحقق ، وهو الداعية المهيأ لحمل الرسالة"."
وإذا كان الأمر كذلك فإن من الواجب على أولي الأمر في كل قطر إسلامي أن يعملوا على تكوين أجيال من الدعاة ذوي الكفاءات العالية والمستوى الراقي في العلم والعمل وحمل أمانة تبليغ هذا الدين والخوف على الناس والشفقة عليهم من أن يكونوا من أصحاب الجحيم ، وعلى ولاة الأمر أن يعلموا أن هؤلاء الدعاة هم الذين يشكلون عقول الناس إذا أتيحت لهم الفرصة الصالحة لذلك ، وبقدر وعي الداعي وفطنتنه وإحاطته بعلوم الدين ومجريات الأحداث تكون ثقافة الأمة ، ولذا ينبغي على ولاة الأمور ـ والمسؤولين عن الدعوة والعاملين فيها ـ ألا يتهاونوا في تكوين الدعاة وحسن تنشئتهم علميا وثقافيا حتى لا تضيع الأمة بأسرها .
يقول الشيخ الغزالي:"إن تكوين الدعاة يعني تكوين الأمة ، وأثر الرجل العبقري فيمن حوله كأثر المطر في الأرض ، وأثر الشعاع في المكان المتألق ، والأمم العظيمة ليست إلا صناعة حسنة لنفر من الرجال الموفقين".
إن عوام الناس وجماهيرهم في عامة الأحايين لا وزن لهم ، ولا تأثير حقيقيا في واقع الحياة وتاريخ الناس ، بل يظلون في أماكنهم حيارى حتى يجيء القائد الممتاز فيوجههم هنا وهناك .
ومن ثم فإن سبيل النهضة الناجحة لا يتمهد إلا إذا استطعنا بناء جماعات من الدعاة تكون بمثابة طلائع النور في أمة طال عليها الليل ، وبوادر اليقظة في أمة تأخر بها النوم ، وأمل العالم في عصر أجدبت فيه الدنيا من رسل الرحمة واليقين ، وامتلأت بزبانية الأثرة والإلحاد"."
إن عبء الدعوة ثقيل ، ومهمة هداية الناس عمل جليل ، ومن ثم وجب أن يختار الدعاة من بين صفوف الأمة وفق معايير معينة ، وألا يترك هذا الأمر للظروف تفرضه ، مما يدفع بالعجزة والقاصرين والجاهلين إلى هذا المجال الحسَّاس فيكون الضرر لا النفع .
أمور ينبغي توفرها
ولهذا العامل في حقل الدعوة أمور ينبغي أن تتوفر فيه بداية حتى يتهيأ لهذا العمل الجليل وذاك الجهد الشاق:
أول هذه الأمور: الإحساس بعظمة هذا الدين وأنه هو الدين الحق الذي يلزم الناس اتباعه ، والعلم بأن كل من لم يكن من أتباعه فهو من أهل النار { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } (آل عمران:85) .
ثانيها: الغيرة على التوحيد ، والغضب لله تعالى أن يشرك به أو أن يعصى ، والشفقة على الناس ، والخوف عليهم من الوقوع في غضب الجبار وإرث عذاب النار، فلا يكون أقل من هدهد سليمان الذي ارتعدت فرائصه لما وجد قوما يسجدون للشمس من دون الله وقال متعجبا: { ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون ، الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم } (النمل:25)