الصفحة 403 من 3812

ومعنى هذه الدعوة هو إرجاع المسلمين إلى جوهر الإسلام وتشريعه الحكيم ، وتعميق ذلك في نفوسهم ، ونفي ما علق بالإسلام من خرافات وأوهام ، مثل: ما يسمى بضرب الودع ، والطيرة ، والعيافة ، والطرق ، وزجر الطير ، وقراءة الكف ، وفتح الكتاب ، والمصحف ، وكتابة الأحجبة والتمائم ، وما يسمونه تحويطات ، والإخبار بالغيب ، وادعاء رفع الصلاة عن الإنسان إذا بلغ إلى قدر معين من الإيمان ، إلى غير ذلك من هذا السيل الجارف من الخرافات والأوهام التي علقت بهذا الدين الحنيف وهو منها براء .

ولو شئنا تقصيها مع الأدلة التي وردت في النهي عنها ، لكنا في حاجة على مجلدات ، ولكن على سبيل المثال ، نذكر شيئًا مع أدلة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي ترشدنا إلى البعد عن هذا الضلال المبين .منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: (( العيافة ، والطيرة ، والطرق من الجبت ) ).

وقول ابن مسعود - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب ، ومهر البغي ، وحلوان الكاهن"."

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (( من آتى عرافًا أو كاهنًا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يومًا ) ).

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (( إن للشيطان لمة بابن آدم ، وإن للملك لمة ، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله ، ومن وجد الآخر فليستعذ بالله من الشيطان ) ).

ولقد وصل أمر الخرافات والأوهام لدرجة أن المنجمين كانوا يتدخلون في شؤون الدولة في يوم من الأيام ، ولكن الخلفاء النابهين ما كانوا يستمعون إليهم ، بل كانوا يخالفونهم .

ومن ذلك حادئة الخليفة المعتصم بالله حينما قام بفتح عمورية ، فأخذوا يحذرونه من سوء العاقبة بأن الحساب الفلكي والطوالع النجومية قد اتفقت على ساعة هذه النتيجة المشؤومة ، فلم يعبأ بما قالوه ، وخرج من فوره وانتصر على أعدائه انتصارًا عظيمًا ، وفي ذلك يقول أبو تمام من قصيدة سبعين بيتًا حتى أخذ على كل بيت ألف درهم ، والتي مطلعها:

السيف أصدق أنباء من الكتبِ.... في حدِّهِ الحدُّ بين الجدِّ واللعب

وفيها:

أين الرواية أم أين النجوم وما....صاغوه من زخرف فيها ومن كذبِ

يقضون بالأمر عنها وهي غافلة.... ما دار في فلك أو كان في قطب

لو أثبتت قط أمرًا قبل موقعة.... لم يخف ما حل بالأوثان والصلب

من كل هذا وغيره نعلم أن دعوة المسلمين بعضهم بعضًا لابد منها لتطهيرهم من الخرافات والأوهام وربطهم بالله الملك الديان .

من كتاب"ادع إلى سبيل ربك"

مكانة الداعية وفضله

الدعاة إلى الله هم الشموع ، التي تحترق لتضيء للناس طريق الهدى والحق والضيا ، وهم وعي الأمة المستنير ، وفكر الأمة الحر ، وهم قلب الأمة النابض ، وأطباء القلوب المريضة ، والنفوس الجريحة ، بل هم قادة سفينة النجاة في وسط الرياح الهوجاء ، والأمواج المتلاطمة .

والداعي إلى الله هو المبلغ للإسلام ، والمعلم له ، والساعي إلى تطبيقه ، وهو الذي يدل الناس على ربهم ، ويحدو بهم لتطبيق مبادئ الإسلام ، التي هي ـ في خلاصتها ـ دعوة إلى مكارم الأخلاق ، وإقامة العدل بين الناس .. ومن ثم كانت الدعوة من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله ، ولذلك اختار الله للقيام بها صفوة الخلق وأحبهم إليه وهم الأنبياء والمرسلون ، وأقربُ الناس إليه تعالى بعدهم أمثلُهم بهم طريقة وأشبههم بهم سلوكًا في العلم والعمل .

ومكانة الداعي في الإسلام مكانة عظيمة ، وقوله في الدعوة أحسن الأقوال في ميزان الله الذي هو أصدق وأعدل الموازين، قال سبحانه: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت/33) .

روى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الحسن أنه قال في تفسير هذه الآية:"هذا حبيب الله ، هذا وليُّ الله ، هذا صفوةُ الله ، هذا خيرةُ الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله من دعوته ، وعمل صالحًا في إجابته ، وقال إنني من المسلمين، هذا"

خليفة الله". (ابن كثير: 4/102) ."

وفضل الدعاة ظاهر في كل جانب من جوانب دعوتهم ووظيفتهم: فموضوع دعوتهم هو الدلالة على الله وكيفية الوصول إلى جنته ورضاه ، والنجاة من سخطه وغضبه ، كما قال مؤمن آل فرعون: {ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار ، تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار} (غافر:41،42) .. ولذلك كان قولهم أحسن الأقوال: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ }

وأما وظيفتهم ومهمتهم فهي أشرف الوظائف على الإطلاق ؛ لأنها وظيفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أشرف البشر وأكرمهم عملا: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } (الأنبياء:25) ، { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} (النساء:165) .

فمهمة الدعاة هي مهمة الأنبياء والمرسلين ، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم من المصلحين { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ} ( يوسف 108)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت