الصفحة 409 من 3812

فهذا الإخلاص الذي تكلمنا عنه هو الإخلاص بالمعنى العام ، وليس هذا الذي أقصد توفره في الداعية ، وإنما المقصود في الداعية إخلاص من نوع خاص ، وهو أن يعمل لدعوته بالصدق ، ويعيش معها بأحاسيسه ومشاعره ، فيمرض لضعفها ، وينتشي ويفرح بقوتها ، إذا دعا لم تكن دعوته لمجرد أداء واجب أو إسقاط تكليف أو تخلص من تبعة المساءلة ، وإنما يدعو بحرقة للدين وشفقة على المدعوين ، واستنقاذًا لهم من النار ، وغضب الجبار ، فمثل هذا إذا تكلم خرج الكلام من قلبه فنفع وانتفع ، فإن الموعظة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب ، وإذا خرجت من اللسان دخلت من أذن وخرجت من الأخرى ، والعالم إذا لم يرد بموعظته وجه الله زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا .

يقول الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -:"والدعوة النابعة عن إخلاص مع القوة والعزيمة والاعتماد على الله لابد أن تؤثر وتعمل عملها .. ألا ترى إلى قصة موسى حين حشد الناس له ضحىً يوم زينتهم ، وجمع له فرعون كيده ، ثم أتى بأبهته وعزته وكبريائه (قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى) (طه/61) فماذا فعلت هذه الكلمة ؟ لقد فرقت كلمتهم وشتتت شملهم في الحال (فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ) (طه/62) والتنازع أكبر أسباب الفشل . (رسالة إلى الدعاة/27) ."

كان محمد بن واسع يجلس قريبًا من أحد الوعاظ وهو يعظ الناس ويقول: مالي أرى القلوب لا تخشع ، والعيون لا تدمع ، والجلود لا تقشعر ؟ فقال له محمد بن واسع:"ما أرى القوم أتوا إلا من قبلك ، إن الذكر إذا خرج من القلب وقع في القلب".

نعم: فكم من كلمات ولدت يوم ولدت ميتة ثم ذهبت مع أصحابها لتكون من أصحاب القبور ؟ وكم من كلمات ولدت حية وبقيت فيها الحياة حتى بعد وفاة أصحابها؟ (أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) (إبراهيم/24 ، 25) .

واسمع إلى ابن القيم - رحمه الله - وهو يقول:"كلام الأولين قليل كثير البركة ، وكلام المتأخرين كثير قليل البركة".

والسر هو الإخلاص والصدق الذي يمنح الكلمات روحًا فتبقى سرمدًا أبدًا .

بين الجوانِحَ في الأعماقِ سُكْنَاهَا ... فكيف تُنسى ومن في الناس ينساها

الأذن سامعةٌ والعينُ دامعةٌ ... والروحُ خاشعةٌ والقلبُ يَهْوَاهَا

فيا معاشر الدعاة إذا أردتم أن تنفعوا وتنتفعوا فعليكم بالإخلاص، وإياكم والأخرى فتكون العاقبة: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (هود/15 ، 16) ، وقال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) (الفرقان/23) .

عدة الداعي .. الصبر والتحمل

من المعلوم أن إسداء النصيحة والصبر على الأذى في سبيلها هو أعظم معين ـ بعد الله تعالى ـ في تبليغ دينه وإعلاء كلمته، وأنه لا حظَّ في النصيحة لمن لا يتحمل الأذى الناجم عن قيامه بأدائها، واستمع لقوله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) (المدثر:1 - 7) . قال ابن كثير رحمه الله تعالى (قُمْ فَأَنْذِرْ) أي شمّر عن ساق العزم وأنذر الناس . وقال مجاهد رحمه الله: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) أي اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك عز وجل. وقال سبحانه: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت:1- 3) وقال تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) (الأحقاف: من الآية35) .

وقال تعالى عن مواقف بعض الرسل صلوات الله وسلامه عليهم إذ قالوا لأقوامهم لما آذوهم: (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (إبراهيم:12) .

فحري بنا أن نصبر في دعوتنا ونتبصر في حال ودعوة الرسل عليهم السلام، لاسيما دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لقومه، أُخرج من داره من مكة، رجم بالحجارة في الطائف حتى سال دمه، وهاجر إلى المدينة فارًا بدعوته، جاهد حتى كسرت رباعيته، وشج وجهه، وكان يؤذى في صلاته وهو بمكة قبل الهجرة، ويوضع السلى على ظهره أثناء ركوعه وسجوده، وما زاده ذلك إلا إصرارًا وعزمًا وثباتًا وصبرًا . قُذف عرضه وما ذلك والله إلا من أجل دعوته، فلولا تلك الدعوة لما أخرج ولما حورب، ولما قُذف عرضه، ولم ترده حادثة الإفك ولا غيرها عن دعوته، بل زادته صبرًا ويقينًا وثباتًا، وهذا هو حال كل نبي وكل عالِم رباني وكل داعية إلى الله آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر ناصحًا للأمة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت