الصفحة 410 من 3812

قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) (الفرقان:31) ، وقال تعالى: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) (النحل:127) . فبالتقى والثبات والصبر يحصل الفلاح والنصر، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل:128) ، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران:200) ، وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24) .

قال سفيان: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، أي في العلم والقدوة، فلولا الصبر والمصابرة والتضحية لما وصَلَنا هذا الدين إلا أن يشاء الله تعالى، وكان فضل الله علينا عظيمًا ، إذ قيض لهذا الأمر رجالًا حملوه ونشروه ونصحوا له ودافعوا عنه وصبروا وقدموا جماجهم وأرواحهم رخيصة في سبيل نصرة وعزة وإبلاغ دين الله عز وجل.

الأسوة الطيبة

والمتأمل في حال وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم يجد في ذلك أعظم الأسوة والقدوة والتضحية والصبر، فهم كما قال تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب:23) .

فينبغي عليك أيها الداعية وأيها الناصح وأيها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن تعلم أن الصبر واجب عليك، وأي واجب، بل هو من أعظم الواجبات التي تكرر ذكرها في القرآن العزيز في كثير من المواضيع حين قال سبحانه مبينًا أن الإنسان خاسر لا محالة إلا من اتصف بهذه الصفات الأربع، ولا يجزي بعضها عن بعض، فقال جل شأنه: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر:1 - 3) . وقال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155) ، وقال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) (الشورى:43) . وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:153) ، وقال سبحانه: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد:31) ، وقال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:142) . وقال لقمان لابنه وهو يعظه ويحثه علىالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر في ذلك: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) (لقمان:17) .

والآيات والأحاديث في فضل الصبر وثماره كثيرة، فالصابرون على الحق وتبليغه والثابتون أمام العقبات الصعاب قد نالوا أجورًا عظيمة، فقد نجوا من الخسارة والحسرات، ونالوا البشائر من رب الأرضين والسماوات،ووعدوا بمعية الله لهم، وذلك في قوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 153) ، ووصفُوا بأنهم هم المجاهدون حقًّا، ووعدوا بأن يُوفَّوا أجورهم بغير حساب، قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (الزمر:10) .

فما أعظمها من نعمة إذا حصلت، وما أكبرها من حسرة إذا مُنعت وما حيزت، فمن صبر ظفر، ومن استعجل خسر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط". رواه الترمذي وحسنه .

فعليك أخي الناصح بالصبر، خاصة إذا لم يُقبل منك، فإنما عليك البلاغ والنصح، وليس عليك الإكراه أو النتائج إذا كنت قد أديت ما يلزمك شرعًا من اتباع هدي الكتاب والسنة في دعوتك، فقال تعالى: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) (ق:45) ، وقال سبحانه: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) (الرعد: من الآية7) ، وقال عز وجل: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) (الغاشية:21، 22) .

عاقبته خير

والصبر وإن كان فيه مرارة ولكن عواقبه كلها خيرٌ وكما قيل:

الصبر مثلُ اسمه مرٌ مذاقتهُ .. .. لكن عواقبهُ أحلى من العسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت