الصفحة 412 من 3812

هذا الخُلق لازم للداعية مع نفسه ، ومع من يدعوهم ، ومع من تبعه على دعوته، ولا يتخيل داعية من الدعاة بغير هذا الخُلق ؛ لأن التواضع يقابله الكبر ، والمتكبر لا يوفق للخير والإيمان ، فضلًا عن أن يكون في مرتبة الدعاة ، قال سبحانه: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَق) (الأعراف/146) ، وقال تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ) (القصص/83) .

وليعلم الدعاة أن الناس لا يتبعون من يتكبر عليهم ويرى لنفسه الفضل دونهم، وإنما يتبع الناس من يرفق بهم ويشفق عليهم ويرحمهم ويتودد إليهم ، ولذلك قال الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر/88) ، وقال تعالى فيه أيضًا: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة/128) .

وعن عياض بن حمار - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [ إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد ] (رواه مسلم وأبو داوود) .

وفيه أيضًا عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [ ما نقصت صدقة من مال ، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا ، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله تعالى ] .

وإنما يحمل على التواضع أمران

-معرفة قدر النفس ، ومعرفة فضل الرب .

-ثم النظر في أحوال السلف ، ومقارنة أحوالنا بأحوالهم لنقف على حقيقة الحال.

فأين أنت لولا فضل الله عليك وتوفيقه لك ؟ ومن الذي هداك لطريق العلم ويسر لك أسبابه ، وفتح لك أبواب الفهم ، وأعطاك القدرة على الحفظ ؟ شطارة من نفسك ؟ أو نعمة من الله ؟ (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) (النحل/53) .

ومن لم يعرف قدر نفسه ، ويوقفها عند حدها ، وترك لخياله العنان ، قادته نفسه حتى يعيش في الوهم ، فيظن نفسه في مرتبة شيوخ الإسلام والأئمة الأعلام . فتجده يسب ويقبح ويرد ويجرح ، وربما غلا في نفسه فنال من الصحابة ـ رضي الله عنهم - وتسمعه يقول: ومَنْ أبو بكر وعمر ؟ وهم رجال ونحن رجال؟.. وهذا كثير للأسف .

وما هذا البلاء الذي نعيشه إلا لأن كل طويلب علم ظن نفسه حافظ العصر وواحد الدهر وفقيه الملة ، فلا يترك قوله لقول أحد ، ولا يرجع عن قوله ، وإن خالف السابقين واللاحقين .

فأين هذا مما جاء عن الإمام مالك في"مقدمة الجرح والتعديل"لابن أبي حاتم قال: قال ابن وهب: سمعت مالكًا سُئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء ، فقال ليس ذلك على الناس ، قال: فتركته حتى خف الناس ، فقلت له: عندنا في ذلك سنة ، قال: وما هي ؟ قلت: حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحُبُليِّ عن المستورد بن شداد القرشي قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَدلِك بخنصره ما بين أصابع رجليه ، فقال مالك: إن هذا لحديث حسن ، وما سمعت به قط إلا الساعة ، ثم سمعته بعد ذلك يسأل فيأمر بتخليل الأصابع .

هذا هو التواضع وبهذا تنال الإمامة .

فاعلم أخي الداعية: أن الاعتراف بالحق فضيلة ، والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل ، ولأن يكون الإنسان ذيلًا في الحق خيرًا من أن يكون رأسًا في الباطل ، فعليك بالتواضع فالزمه فإنه أعظم رأس مالك ، وتأسِ بأخلاق سلفك - عليهم رضوان الله - .

يقول الإمام الشافعي - رضي الله عنه -: ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعًا لله"."

قال يونس بن الصرفي: ما رأيت أعقل من الشافعي ، ناظرته يومًا في مسألة ، ثم افترقنا فلقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة ؟

وهذه نسوقها للذين يقاطعون إخوانهم لأول خلاف أو مخالفة في رأي .

قال ابن المديني: كان ابن عيينة إذا سئل عن شيء قال: لا أحسن فنقول: من نسأل فيقول سل العلماء ، وسَلِ الله التوفيق . (سير 8/467) .

وسألوه أن يحدث فقال: ما أراكم للحديث موضعًا ، وما أراني أن يؤخذ عني أهلًا ، وما مثلي ومثلكم إلا كما قال الأول: افتضحوا فاصطلحوا .

قال الشافعي: التواضع من أخلاق الكرام ، والتكبر من شيم اللئام ، التواضع يورث المحبة ، والقناعة تورث الراحة .

قال عباس الدوري: حدثنا علي بن أبي فزارة جارنا قال: كانت أمي مقعدة من نحو عشرين عامًا فقالت لي يومًا: اذهب إلى أحمد بن حنبل فسله أن يدعو لي ، فأتيت فدققت عليه ، وهو في دهليزه ، فقال: من هذا ؟ قلت: رجل سألتني أمي وهي مقعدة أن أسألك الدعاء ، فسمعت كلامه كلام رجل مغضب فقال: نحن أحوج أن تدعو الله لنا ، فوليت منصرفًا ، فخرجت عجوزٌ فقالت: قد تركته يدعو لها ، فجئت إلى بيتنا فدققت الباب فخرجت أمي على رجليها تمشي . (سير 11/211) .

قال المرُّوذي: قلت لأبي عبد الله: ما أكثر الداعي لك ؟ قال: أخاف أن يكون هذا استدراجًا بأي شيء هذا ؟ . (سير 11/210) .

قال الشافعي: أرفع الناس قدرًا من لا يرى قدره ، وأكثرهم فضلًا من لا يرى فضله .

هذا هو التواضع وهؤلاء هم الناس: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه) (الأنعام/90) .

من أخلاق الدعاة .. (5) الطموح وعلو الهمة

قال عبيد بن زياد: كان لي خال من كلب فكان يقول لي: يا عبيد هم ؛ فإن الهمة نصف المروءة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت