الصفحة 413 من 3812

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"تقول العامة: قيمة كل امرئ ما يحسن ، والخاصة تقول: قيمة كل امرئ ما يطلب".

ولابد للداعية أن تكون همته في الثريا ، وأن يكون ذا طموح وتطلعات وآفاق أن يصل بدعوته إلى أبعد الأماكن وأعلى المستويات ، ولا يستبعد على دعوته شيئًا ، وهذا الطموح لا يتأتى إلا باليقين بأن النصر لهذا الدين وأن العاقبة للمتقين .

في صحيح مسلم عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زري لي منها ] .

وعن تميم الداري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل الله به الكفر ] (رواه أحمد)

فلو أن داعية بَشَّر أصحابه بفتح البيت الأبيض أو الكنيست أو البيت الأحمر لكان له في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة يوم بشَّر أصحابه بامتلاك كنوز كسرى وقيصر، وهو يحفر الخندق ويضرب الصخرة بمعوله ، وقد ربط على بطنه حجرين من شدة الجوع ، والحال كما وصفه الله تعالى: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) (الأحزاب/10 ، 11) .

وقال - صلى الله عليه وسلم - لسراقة بن مالك حين كاد يدركه في الهجرة: [ ارجع ولك سواري كسرى ] .

وقد شهد التاريخ لدعاة الحق من الصحابة فمن بعدهم بعلو هممهم ، وعظم طموحهم:

فهذا خالد بن الوليد يقول لأعدائه وقد تحصنوا منه في حصون منيعة: أين تذهبون منا ، والله لو كنتم في السحاب لأصعدنا الله إليكم أو لأمطركم علينا .

وهذا الرشيد لما نكث الناكث عهده وكتب إليه: من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب .. بلغنا أن الإمبراطورة إيرين كانت ترسل لك أموالا (جزية ) ، فإذا جاءتك رسالتي هذه فرد إلينا أموالنا وإلا فالسيف بيننا وبينك . فلما قرأ الرشيد الرسالة استشاط غضبا ، ثم كتب على ظهرها: من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم .. يا ابن الكافرة .. الجواب ما ترى لا ما تسمع .. لآتينك بجيش أوله عندك وآخره عندي . وجهز الرشيد جيشا عظيما ، وغزا به نقفور وهزمه ، حتى دفع كلب الروم الجزية عن يد وهو صاغر.

ولما حاصر محمد الفاتح السلطان العثماني العظيم مدينة القسطنطينية ، واستعصت عليه بعض الوقت ، وقف أمام أسوارها وقال: حسن والله ليكونن لي فيك قصر أو قبر . وكان له ما أراد ، وفتحها الله عليه بعد أن تأبت على قادة كثر قبله .

وتارخنا الإسلامي زاخر بهذه النوعية من الدعاة والقادة الذين قاموا لهذا الدين ونصروه ، وكانت هممهم أعلى من أوكار النسور ، وأرسخ من الجبال الرواس ، ولا شك أن بين المسلمين من يحمل بين جوانحه مثل هذه الهمة ولكنهم قليل .

في كتاب علو الهمة للدكتور الشيخ محمد بن إسماعيل: أن مؤذنًا بلغه أن برج"بيزا"يميل وأنه يكاد يسقط فبدا عليه الحزن وقال: كنت أتمنى أن أؤذن للصلاة من فوقه"."

وهذه همة عالية وطموح جيد وطيب ، ونحن لا نشك في فتح هذه البلاد وظهور الإسلام عليها ، وإنما متى يكون ذلك ؟ هذا تحدده همة الدعاة وعطاؤهم لهذا الدين للتحقق شروط التمكين.

(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف/21) .

من أخلاق الدعاة .. (6) الثبات على المبادئ

الثبات على المبادي من أهم أخلاق الدعاة إلى الله، وهو الخلق الذي يحدو بقلوب المدعوين إلى اتباعهم وسلوك سبيلهم واتباع طريقهم.. ومعناه أن يلتزم الداعية بالمبادئ التي يدعو إليها ، فلا ينبغي أن يخالف الناس إلى ما ينهاهم عنه في قليل أو في كثير ، بل يجب أن يكون أكثر الناس التزامًا بدعوته، وثباتا عند الفتن والملمات ، وعند مواطن الابتلاءات.

فمثلًا لا يجوز أن يأمر أتباعه باتباع السنة والتمسك بها ثم يجدونه مفرطًا في بعض السنن، وإن ظنها هو بسيطة ، كذلك لا ينبغي أن يأمرهم بالصدق ثم يسمعونه يكذب ولو مازحًا ، أو يأمرهم بالأمانة ويخون ولو مرة ، وينهاهم عن أخذ جوائز السلطان ثم يقبلها ، كما يلزمه أن يكون مثالا في الصبر والتحمل من أجل دعوته ، فإذا كان خوّارا هيابا عند طروء المحنة ووقت الشدة والفتنة، فهذا يقدح في شخصه وفي دعوته .

وإنما تظهر حقيقة الثبات عند أمرين:

1-طروء المغريات من مال ومنصب وجاه .

2-أو عند مقابلة المحن والابتلاءات .

فالمغريات أكثر ما يرد الدعاة عن وجهتهم ويثنيهم عن مبادئهم ، خصوصًا إذا لاح من وراء ذلك مصلحة ومنفعة للدعوة .

ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما رواه أهل التاريخ أن قتيبة بن مسلم دخل سمرقند دون أن ينذر أهلها ، فعلم أهل سمرقند أن الإسلام يخير أهل البلدة قبل دخولها بين الإسلام أو الجزية أو الحرب ، فأرسلوا إلى عمر بن عبد العزيز ، فبعث عمر يحيل الأمر إلى جندي من الجيش اسمه"جُميع الباجي"فصار قاضيًا بين قادة الجيش بما فيهم قتيبة بن مسلم وبين أهل سمرقند ، وبعد سماع الفريقين أمر"جُميعٌ"القاضي"قتيبةَ بن مسلم قائد الجيش"أن يخرج بجيشه من البلد ، وينذر أهلها ، فإن أجابوا وإلا استأنف حربهم.

وبالفعل أمر قتيبة جيشه بالخروج من البلدة بعد فتحها ، وعندما بدأ الجيش الخروج ، أسلم أهل سمرقند ، أو أكثرهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت