الصفحة 414 من 3812

وانظر لو حدث هذا لغير المسلمين ، أو حتى لمسلمي هذا الزمان ، ثم قارن لتعرف كيف يكون الثبات على المبدأ .

ويظهر الثبات على المبادئ بصورة أوضح عند مواجهة الابتلاءات ، خاصة إذا كان ثمن الصبر هو حياة الداعية نفسه .

-ومما يروى عن عبد الله بن حذافة السَهمي - رضي الله عنه - أنه لما أسروه جوعوه أيامًا ثم أحضروا له طعامًا فيه لحم خنزير ، وخمرًا بدل الماء ، فأبى أن يأكل وأشرف على الموت ، فأحضروه وسألوه فقال: والله لقد كان لي في أكلها رخصة ولكن أردت ألا أشمتكم في الإسلام"."

-ولما سئل بلال بن رباح - رضي الله عنه -: لماذا كنت تقول أحدٌ أحد ؟ قال: والله لو علمت كلمة أغيظ لهم منها لقلتها .

-وبلغ المعز العبيدي حاكم مصر الباطني كلام عن الإمام أبي بكر النابلسي فأحضره المعز وقال له: بلغنا انك تقل لو أن عندك عشرة أسهم لوجهت تسعة منها للكفار وواحدا إلينا . قال الشيخ ما قلت هكذا .. ولكن قلت: لو أن عندي عشرة سهام لوجهت بواحد إلى الكافرين وتسعة إليكم (أي الرافضة) .، فأمر المعز جزارا يهوديا بسلخه حيا ، فما زال يسلخه والشيخ يقرأ القرآن حتى بلغ قلبه فأشفق اليهودي عليه فطعنه في قلبه فقتله .

بهذا تنتصر الدعوات

بهذا الوضوح ـ أيها الدعاة ـ تنتصر الدعوات .. بوضوح أحمد بن حنبل يوم المحنة ، وبوضوح سيد قطب حين سئل عن النظام في المحكمة فقال كافر ، وحين قيل له: لو قدمت استرحامًا ؟ قال: إن أصبع السبابة التي شهدت لله بالوحدانية لترفض أن تكتب حرفًا واحدًا تقر فيه حكم الطاغية .

لماذا أسترحم ؟ إن كنت محكومًا بحق فأنا أرتضي حكم الحق ، وإن كنت محكومًا بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل .

بمثل هذه النماذج تتأثر الجماهير ، وتتبع الأجيال ، ويقلد الشباب .

بمثل هذه النماذج تنتصر الدعوات ، بالدماء التي تراق ، وبالأرواح التي تزهق ، وبالأشلاء التي تتناثر ، لا باللف والدوران والمخادعة الجاهلية والنفاق والتقية ، وعدم معرفة الباطن من الظاهر ، والتلون بتلون الحرباء ، فهذا لا يقيم دعوة ولا ينصر دينًا .

{يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } (آل عمران:200)

الدعاة بين رجل ورويجل

الأحداث في العالم الإسلامي تتلاحق، والمتغيرات السياسية تتابع، والصراع بين الإسلام والكفر ينتقل من طور إلى طور، ومن دائرة إلى أخرى.. والمسلمون في جميع الأحوال كالأيتام على موائد اللئام!

ولقد ورثت الصحوة الإسلامية المعاصرة تركة مهترئة من الانحراف والتخلف الذي أصاب الأمة الإسلامية بعامة، نتيجة قرون متتابعة من العجز والضعف، ولن ينهض بها من هذه الكبوة جهود أفراد معدودين مهما بلغت إمكاناتهم وقدراتهم. بل هي في حاجة لكل الطاقات والجهود، يُكمل بعضها بعضًا، ويُسدد بعضها بعضًا.. والعمل الإسلامي بفضل الله - تعالى - سائر بكل ثقة واطمئنان، يشق طريقه على الرغم من كثرة العراقيل والعقبات، ولكن ألم يسأل الواحد منا نفسه في يوم من الأيام: ما دوري في هذه المسيرة؟! وماذا قدمت لخدمة هذا الدين؟!

هل يكفي أن يبقى الإنسان مشاهدًا، متابعًا لمسيرة الصحوة الإسلامية من بُعد، لا يتجاوز دوره التشجيع والتعاطف؟! هل يكفي أن يكون دور الإنسان تكثير سواد الصالحين فحسب؟! أيجوز أن يقتصر الدور على الحوقلة والاسترجاع إذا أصاب الدعوة ما أصابها؟!

لا شك بأن هذه سلبية مفرطة، أقعدت كثيرًا من الناس عن الإنتاج والعطاء، وإننا نملك طاقات هائلة والحمد لله تعالى، ولكنها طاقات كامنة خاملة، لم تُسخر التسخير الأمثل لخدمة الأمة، ولقد كُبِّلت كثير من هذه الطاقات بآصار من العجز والضعف، حتى أصبحنا نرى جموعًا غفيرة من الصالحين، ولكن مع الأسف الشديد حالهم كما وصفهم الشاعر:

يُثقلون الأرض من كثرتهم.. ... .. ثم لا يُغنون في أمر جلل

ومثله قول الشاعر:

وبعضُ الرجال نخلةٌ لا جنى لها.. ... ..ولا ظل إلا أن تُعدَّ من النخلِ

إن الثروة الحقيقية التي تملكها الأمة المسلمة ليست فقط في الأموال والأجهزة والمعدات ونحوها، وإنما هي في الإنسان المؤمن الجاد الذي يشعر بالمسؤولية وعظم الأمانة.

إن الثروة الحقيقية في تلك النفوس الحية المتقدة النابضة بروح العطاء والبذل، وما أروع تلك الصورة التي جاء وصفها في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه، كلما سمع هيْعَة أو قَزْعة طار عليه يبتغي القتل أو الموت مظانه". [أخرجه مسلم] .

فهو رجل حي نذر نفسه لله تعالى، قد هيأها للانطلاق في سبيله، لا تحده الحدود، ولا تعوقه العوائق. وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم:"يطير على متنه". وقوله"طار عليه"فهما جملتان تدلان على سرعة المبادرة، وحيوية الحركة.

إننا في مرحلة تقتضي أن يُفكر الإنسان كيف يستطيع أن ينتج، بل كيف ينتج بأكثر من طاقته! ولن يكون ذلك ممكنًا إلا إذا وجدت الهمة العالية والعزيمة الصادقة التي تتطلع إلى أفق عال وقمة سامقة من العطاء والإبداع، ولا ترضى بالقليل من العمل.

فكنْ رجلًا رِجْلُه في الثرى.. ... ..وهامةُ همَّتِه في الثريا

قال الإمام ابن القيم:"النفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها وأفضلها وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت