الصفحة 415 من 3812

وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:"ينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يُتصور للآدمي صعود السماوات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض. ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد رأيت المقصر في تحصيلها في حضيض، غير أنه إذا لم يمكن ذلك فينبغي أن يطلب الممكن. والسيرة الجميلة عند الحكماء خروج النفس إلى غاية كمالها الممكن لها في العلم والعمل".

فلا يقتل الطموحات إلا استصغار الإنسان نفسه، يُكبلها بالعجز، حتى يصل إلى حد الشلل الذي يعوقه عن الحركة والإنتاج، وإن طاقة الإنسان تتآكل غالبًا حينما يزدري الإنسان نفسه، ويشعر أنه ضعيف لا يستطيع أن ينجز عملًا أو يبدع أمرًا. وفي كثير من الأحيان لا يكتشف الإنسان طاقاته ومواهبه إلا من خلال التجارب.

وإنتاج المرء غالبًا يعتمد على مقدار طموحه وحمته، فالإنسان الطموح هو الذي يجعل أمامه هدفًا عاليًا، حتى لو كانت قدراته لا تؤهله لذلك الآن؛ لأنه سوف يحرص على تنمية قدراته للوصول إلى هدفه، فإذا نمت القدرات فإنه لن يبقى عند هدفه الأول، بل سوف تنمو طموحاته وتزداد، وما أجمل قول شيخ الإسلام ابن تيمية:"العامة تقول: قيمة كل امرئ ما يُحسن، والخاصة تقول: قيمة كل امرئ ما يطلب".

ومَن يتهيَّب صعودَ الجبالِ.. ... ..يعش أبد الدهر بين الحُفَر

وقال حوط بن رئاب الأسدي:

دببتَ للمجد والساعون قد بلغوا.. ... ..جهْد النفوسِ وألقوا دونه الأُزُرَا

فكابَروا المجدَ حتى ملَّ أكثرهم.. ... ..وعانق المجدَ من أوفى ومَن صَبَرا

لا تحسبِ المجدَ تمرًا أنت آكله.. ... ..لن تبلغ المجدَ حتى تلعق الصَّبِرا

وقال أبو القاسم الشابي:

إذا صغرت نفسُ الفتى كان شوقُه.. ... ..صغيرًا فلم يتْعَب ولم يَتَجشَّم

ومَن كان جبَّار المطامع لم يزل.. ... ..يلاقي من الدنيا ضراوة قَشْعَمِ

ــــــــــــــــ

من كتاب:"في البناء الدعوي"

الثقافة اللغوية والأدبية للدعاة

كم يقشعرّ جلد الإنسان، ويتأذّى سمعه حين يسمع داعية ينصب المرفوع، ويرفع المنصوب، ولا يفرّق بين الفاعل والمفعول… فلا يكاد يُنهي كلمة من كلماته إلا أصابك ذهول ووهلة، أو لطمك - ولطم الخليل وسيبويه معك- لطمة أيَّ لطمة!!..

ومن ثم كانت الثقافة الأدبية واللغوية واحدة من أهم الثقافات اللازمة للداعية لزوم غيرها من الثقافات بل ربما أشد.

واللغة بمفرداتها ونحوها وصرفها لازمة لسلامة اللسان، وصحة الأداء، وجودة التعبير... فضلًا عن حسن أثرها في السامع، فالأخطاء اللغوية -إن لم تُحَرِّف المعنى، وتشوّه المراد- يمجّها الطبع، وينفر منها السمع.. وشر ما يكون ذلك إذا كان اللحن في كتاب الله تعالى، أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر القرطبي في تفسير الآية الثالثة من سورة براءة أن أعرابيًّا قدم المدينة المنوّرة فقال: من يُقرئني مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؟ فأقرأه رجل سورة براءة حتى أتى الآية الكريمة: {أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [التوبة:3] فقرأها عليه بالجر (رسولِه) ، فقال: وأنا أيضًا أبرأ مما برئ الله منه!! فاستعظم الناس الأمر وبلغ عمر - رضي الله عنه- فدعاه فقال: يا أعرابي أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال يا أمير المؤمنين: قدمتُ المدينة فأقرأني رجل سورة براءة، فقلت: إن يكن الله بريئًا من رسوله فأنا أبرأ منه، فقال عمر: ما هكذا الآية يا أعرابي قال: فكيف يا أمير المؤمنين؟! فقرأها عليه بالضم"ورسولُه)، فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ مما برئ الله ورسوله منه، فأمر عمر ألا يُقرئ الناس إلا عالم بلغة العرب."

والأدب بشعره ونثره وأمثاله وحِكمه ووصاياه وخطبه… مهم جدًا للداعية، يثقف به لسانه، ويجود أسلوبه ويرهف حسه، ويوقفه على أبواب من العبارات الرائقة، والأساليب الفائقة، والصور المعبرة، والأمثال السائرة، والحكم البالغة، ويفتح له نافذة على الروائع والشوامخ، ويضع يده على مئات بل ألوف من الشواهد البليغة التي يستخدمها الداعية في محلها فتقع من القلوب أحسن موقع وأبلغه… وفي طليعة ذلك القرآن الكريم المعجز للبشر في أسلوبه وبيانه، وكذلك السنة النبوية التي تحاكي إعجاز القرآن الكريم في جمال تعبيرها وبلاغتها….

ومما يؤكد هذه المعاني الشواهد التالية:

جاء في الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود:"إن من البيان لسحرًا، وإن من الشعر لحكمة"، وسمع النبي صلى الله عليه وسلم الشعر من أكثر من شاعر، واستجاده واستزاد منه، وكان من أصحابه شعراء معروفون مثل: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة… رضي الله عنهم، وأذن لحسان - رضي الله عنه- أن يذود عن الإسلام بلسانه وشعره، ويردّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هجو شعراء قريش، وكان يقول له:"اهجُهم وروح القدُس معك، إن كلامك أشدّ عليهم من وقع النبْل"

وروى مؤرخو الأدب كثيرًا من الشعر للخلفاء الراشدين، وخصوصًا لعليٍّ كرٍّم الله وجهه، فقد روى عنه كثير من الشعر الجيد البليغ، كما رووا أيضًا لكثير غيرهم.

ومن لم يقل الشعر منهم فقد رواه ورغّب في روايته:

فعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: (علّموا أبناءكم السباحة والرماية وركوب الخيل، وروّوهم ما جمل من الشعر) . وقالت عائشة رضي الله عنها: (روُّوا أولادكم الشعر، تعذب ألسنتهم) .

وقال المقداد بن الأسود: (ما كنتُ أعلم أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بشعر ولا فريضة(علم المواريث) من عائشة رضي الله عنها).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت