الصفحة 416 من 3812

وكان عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- من أروى الناس للشعر، حتى حكوا أنه كان يحفظ رائية عمر بن ربيعة، وكان يستند إلى الشعر في تفسيره للقرآن، كما يعرف ذلك مما يروى من محاورته لنافع بن الأزرق.

ويروى أن زيادًا بعث بولده إلى معاوية -رضي الله عنه- فكاشفه عن فنون من العلم، فوجده عالمًا بكل ما سأل عنه، ثم استنشده الشعر فقال: لم أرْوِ منه شيئًا، فكتب معاوية إلى زياد يقول له: ما منعك أن ترويه الشعر؟ فوالله إن كان العاقّ ليرويه فيبرّ، وإن كان البخيل ليرويه فيسخو، وإن كان الجبان ليرويه فيقاتل….

وهذا يدلنا على مقدار ما للأدب عامة، وللشعر خاصة من تأثير في النفس البشرية، كما يدلنا على أن العناية بالأدب، والتضلع منه، والاطلاع على مصادره، والحرص على ترديد فوائده، والاستفادة منها عند الحاجة أمر لازم للداعية الناجح الموفق.

ولنضرب على ذلك مثلًا:

هب أنك تتحدث إلى الناس عن حقوق القرابة، وصلة الرحم، وذكرت من الشواهد ما تيسّر من الكتاب والسنة، أفلا يكون مما يوسّع أفق حديثك، ويزيده تأثيرًا أن تذكر بعض ما حفلت به كتب الأدب في ذلك من شعر ونثر…

فمن ذلك: قول علي رضي الله عنه: (أكرم عشيرتك، فإنهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير) .

وقول طرفة في معلّقته:

وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة.. ... ..على المرء من وقع الحسام المهنَّد

وقول الآخر:

أخاك أخاكَ إن مَنْ لا أخًا له.. ... ..كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح

وإن ابن عمِّ المرء فاعلم جناحُه.. ... ..وهل ينهض البازي بغير جناح؟

وقول الحماس:

وإن الذي بيني وبين بني أبي.. ... ..وبين بني عمِّي لمختلف جدّا

إذا أكلوا لحمي وفَرتُ لحومهم.. ... ..وإن هدموا مجدي بنيتُ لهم مجدا

ولا أحمل الحقد القديم عليهمُ.. ... .. وليس كبير القوم مَنْ يحمل الحقدا

وقول الآخر:

قومي هُمُ قتلوا أُمَيْمَ أخي.. ... ..فإذا رميتُ يصبني سهمي

فلئن عفوتُ لأعفَونَّ جَلَلًا.. ... ..ولئن رميتُ لأُوهننَّ عظمي

حتى الطرائف والمُلح الأدبية يجد الداعية الموفق لها مكانها ووقتها، فينتفع بها، ليثبت بها معنى معينًا، أو ليروّح بها عن سامعيه.. كما قيل:"إن القلوب تملُّ كما تملُّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة".

وكثيرًا ما استعار أهل المحبة لله أشعار المدح والثناء.. فاستعملوها في أغراضها الربانية، ولم يلتفتوا إلى المناسبة التي قيل بها الشعر..

وقد أنشأ أبو فراس الحمداني أبياتًا من قصيدة يخاطب بها أميره وابن عمه سيف الدولة، فنقلها الصالحون إلى مخاطبة الحق جلَّ جلاله، وهي قوله:

فليتك تحلو والحياة مريرة.. ... ..وليتك ترضى والأنام غضاب

وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ.. ... ..وبيني وبين العالَمين خرابُ

إذا صحَّ منك الوُدُّ فالكلُّ هينٌ.. ... ..وكل الذي فوقَ التُّرابُ تُرابُ

ولكن على الداعية أن يتجنب أشعار الفُحش، وطرائف الغيبة، ومُلَح التعريض بالناس؛ حتى لا يقع في مخالفات شرعية، أو يثير في النفوس أحقادًا نفسية، أو يسبب في الأمة انقسامات اجتماعية.

الثقافة التاريخية للدعاة

يحتاج الداعية خلال مسيرته الدعوية إلى إثراء مجموعة ثقافات تلزمه في دعوته .. ومن هذه الثقافات الثقافة التاريخية .. فالتاريخ هو ذاكرة البشرية، وسجل أحداثها، وديوان عبرها، والشاهد العدل لها أو عليها، ويهمنا في ذلك تاريخ الإسلام والأمة الإسلامية خاصة، وتاريخ الإنسانية بصفة عامة، أعني المواقف الحاسمة منه، والملامح الرئيسية فيه.

لماذا دراسة التاريخ؟!!

• لأن التاريخ يوسع آفاق الداعية في اطلاعه على أحوال الأمم، وتاريخ الرجال.. فيرى الإنسان من خلال دراسة التاريخ بعين بصيرته كيف تعمل سنن الله في المجتمعات بلا محاباة ولا جور؟ وكيف ترقى الأمم وتهبط، وكيف تقوم الدول وتسقط، وكيف تنتصر الدعوات وتنهزم، وكيف تحيا الحضارات وتموت، وكيف ينجح القادة ويفشلون، وكيف تنام القلوب وتصحو. قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج:46] .

• ولأن التاريخ أصدق شاهد على ما يدعو إليه الدين من قيم ومفاهيم، فهو مرآة مصقولة تتجلى فيها عاقبة الإيمان والتقوى، ونهاية الكفر والفجور، وجزاء الشاكرين لأنعم الله، وعقوبة الكافرين بها.. وكيف يجني من يغرس الخير، ويحصد من يزرع الشوك، ولذا عني القرآن الكريم بذكر قصص السابقين، وتواريخ الغابرين، لما فيها من عِبر بليغة، وعظات حية.. كما قال تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ق:36، 37] .

والداعية يحتاج إلى أن يستشهد للمعاني والقيم التي يدعو إليها بأحداث التاريخ، ومواقف الأبطال، وأحوال الأمم.. فهذا أعون على تثبيتها في العقول والقلوب..

• ولأن التاريخ كثيرًا ما يعين على فهم الواقع الماثل، ولا سيما إذا تماثلت الظروف، وتشابهت الدوافع، وهذا ما جعل العرب قديمًا يقولون:"ما أشبه الليلة بالبارحة"، وجعل الغربيين يقولون:"التاريخ يعيد نفسه"، بل القرآن الكريم يشير إلى هذا المعنى كما في قوله: (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) (البقرة:118].

حقائق ينبغي أن ينتبه لها الداعية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت