الصفحة 417 من 3812

1-أن يستخرج المغزى الأخلاقي للتاريخ، واتجاهات الأحداث فيه، وحصادها الناطق بلسان الحال؛ وأن يستنبط منه رؤوس العبر، ومواقع العظمة.. لا أن يستكثر من الجزئيات، ويُسهب بالتفصيلات والوقائع.

2-أن يكون ذا وعي يقظ للوقائع التاريخية التي تخدم موضوعه، وتعمق فكرته، وتقدم لها الشواهد الحية.. وليس من اللازم أن يجد هذه الوقائع في كتب التاريخ المتخصصة، بل كثيرًا ما يلتقطها بحسه الواعي من مصادر قد لا يلتفت إليها كثيرًا رجال التاريخ، فقد يلتقطها من القرآن الكريم فيما قصّ علينا من أخبار الأمم، وقد يلتقطها من كتب الحديث والآثار.. وقد يلتقطها من بعض كتب الأحكام مثل كتاب"الخراج"لأبي يوسف، وكتاب"الأموال"لأبي عبيد، وقد يلتقطها من كتب الأدب، أو كتب الحسبة، أو كتب الرحلات، أو كتب الفتاوى.. أو غيرها.

3-أن يعني بسيَر الرجال، ومواقف الأبطال، وبخاصة العلماء، والدعاة، والمرشدون الربَّانيون، والأئمة المجتهدون.. وفي تاريخنا ثروة من السِّيَر تتمثل فيها الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، وتبرز الشخصية المسلمة مجسدة في مواقف وأعمال.. كما نلمس ذلك في كتب الطبقات والتراجم، ونجد ذلك في"سير أعلام النبلاء"، و"وفيات الأعيان"، و"طبقات ابن سعد"و"تهذيب التهذيب"و"حلية الأولياء"و"صفة الصفوة".

4-أن يهتم بربط الحوادث والوقائع بأسبابها وعللها المعنوية والأخلاقية، فالذي يطالع تاريخنا الإسلامي بعمق، ويتأمل سيره بدقة، يجد أن المد والجزر، والامتداد والانكماش، والنصر والهزيمة، والازدهار والذبول.. كلها ترتبط بمقدار صلة الأمة بالإسلام أو انفصالها عنه، وقربها من تعاليمه أو بعدها عنها، وحسبنا أن ننظر نظرة عَجلى إلى عصر الراشدين، أو عصر عمر بن عبد العزيز، أو عصر الرشيد، أو عصر نور الدين وصلاح الدين.. لنرى تمسكًا بالدين أو رجعة إليه، ونرى ثمارها عزًّا وازدهارًا، والعكس بالعكس في عصور أخرى.

5-أن يكون محور التاريخ الإسلامي هو الإسلام نفسه دعوة ورسالة، وأثره في تربية الأجيال، وتكوين الأمة المسلمة، وإقامة الدولة الإسلامية، وبناء الحضارة الإسلامية والثقافة الإسلامية، وتأثير الإسلام في العالم كله، وقدرته على الانتشار عند القوة، والمقاومة عند الضعف، واستطاعته التأثير في الناس ليعتنقوه عن رضىً واختيار - كما تم ذلك مع السلاجقة والتّتار - واختزانه أيضًا كل أسباب الحيوية، وطاقات القوة لإمداد أمة الإسلام بروح الجهاد، وعنصر المقاومة.. لإثبات الذات، واستعادة المجد.

وينبغي للداعية أن يركز على الحقائق التاريخية التالية:

1-يجب إبراز الجاهلية العالمية والعربية بكل أفكارها، وتصوراتها، ودعواتها، وأساليبها.. بلا إفراط ولا تفريط.

ذلك أن النزعات التبشيرية والاستشراقية.. تريد أن تُلبس الجاهلية الحاضرة لبوسًا حسنًا، مضخّمة ما كان لها من حسنات، متغاضية عمَّا عجّت به من مثالب، وقد طرب لذلك القوميون، وخصوصًا من العرب، فحرصوا على عرض الجاهلية العربية مبرّأة من كل عيب.. كما يبدو ذلك في دراسة التاريخ والأدب، وما سمي"المجتمع العربي".. متجاهلين ما كان عليه العرب قبل الإسلام من فساد العقائد والأخلاق والأنظمة والتقاليد!

ورضي الله عن عمر الذي قال:"إنما تنقض عُرا الإسلام عُروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية".. وهذا بشرط ألاَّ يمسّ ذلك ما تميزت به أمة العرب، ولغة العرب، وأرض العرب.. من خصائص ومزايا رشحتها لحمل الرسالة الإسلامية الخالدة إلى الناس (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام:124] .

2-ينبغي الاهتمام بحركات الإصلاح والتجديد في تاريخ الإسلام، وبرجال التجديد الذي يبعثهم الله بين حين وآخر ليجدِّدوا لأمة الإسلام أمر دينها، كعمر بن عبد العزيز، ونور الدين الشهيد، وصلاح الدين، والشافعي، وابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، وحسن البنا.. وقد يكون المجدد فردًا أو جماعة أو مدرسة إصلاحية، يبرز بها اتجاه في الإصلاح له سماته وخصائصه.

3-كما يجب الالتفات إلى دور الإسلام ورجاله وأثره في حركات المقاومة والتحرير التي ظهرت في العالم الإسلامي، منذ وطئت أرضه جيوش الاستعمار، فرغم المكر الصليبي، ومحاولات التخدير والتضليل.. لم يسلم الاستعمار من المقاومة الباسلة في كل بلد دخله، وأريقت الدماء، وسقط الشهداء تلو الشهداء.. ولم تزل المقاومة على مر الزمن حتى كان التحرير، وكان الإسلام وعلماؤه ودعاته وراء هذا الجهاد للاستعمار بريطانيًّا كان أو فرنسيًّا أو إيطاليًّا أو أسبانيًّا؛ كأمثال الشيخ ابن باديس في الجزائر، والشيخ عمر ا لمختار في ليبيا، والشيخ العربي الدرقاوي في المغرب، والشيخ عز الدين القسّام في فلسطين.. ومئات غيرهم، وقد شهد بذلك مؤرخون غربيّون مثل"برنارد لويس"في كتابه"الغرب والشرق الأوسط".

وعلى الداعية أن يحذر في المجال التاريخي من أمرين هامين:

• أولا: أن يحذر الروايات التاريخية التي دُوّنت بلا تمحيص ولا تحقيق:

فليس كل ما تحويه كتب التاريخ صحيحًا تامًّا.. فكم حوت مراجع التاريخ من مبالغات وتشويهات وتحريفات تكذبها الحقائق الثابتة بالاستقراء أو بالموازنة بالأدلة الناصعة في مصادر أخرى؟!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت