فهرس الكتاب
وكم لعبت الأهواء والعصبيات السياسية والدينية والمذهبية دورها في كتابة التاريخ وفي رواية وقائعه، وتلوين أحداثه، وتصوير أبطاله مدحًا أو ذمًّا، إيجابًا أو سلبًا! وخصوصًا إذا علمنا أن التاريخ يكتبه عادة المنتصرون الغالبون، والغلبة لها بريق وأضواء كثيرًا ما تعشَى أعين المؤرخين عن سوءات الغالبين، في حين تُضَخَّم أخطاء المغلوبين، وتطمس فضائلهم عن قصد أو غفلة.
وإذا نظرنا إلى تاريخنا الإسلامي الذي يتعلق بأمثل عصور الإسلام وأفضلها وهو تاريخ العصور الأولى التي شهد لها الرسول - صَلى الله عليه وسلم - بالخيرية، والتي انتشر فيها الإسلام في الآفاق، وانتشرت معه لغته وفقهه، واتّسع فيها تعلم كتابه وسنة نبيه، وهو تاريخ عصر الصحابة ومن تبعهم بإحسان.. إذا نظرنا إلى هذا التاريخ وجدناه قد ظُلم وشُوّه في كتب التاريخ أي ظلم وتشويه؟!! ثم يجيء المعاصرون ليأخذوا من تلك الكتب بِعُجَرها وبُجَرها، وبغثها وسمينها.. ويقولون: نحن لم نحد عن الطريقة العلمية الموضوعية، فمصدرنا فيما ننقل من نصوص تاريخية: الواقدي، أو الطبري، أو ابن الأثير.. نعزو فيما نأخذ إلى جزء كذا، صفحة كذا، طبعة كذا..
هكذا يصنع المستشرقون، وهكذا يفعل أساتذة التاريخ في الجامعات، وهكذا يسير الذين يكتبون عن التاريخ ممن يريدون أن يشوّهوا تاريخنا الناصع، ويطعنوا بعظمائنا الأفذاذ.
كان لزامًا على علماء الإسلام، ورجال الاختصاص، وأهل التحقيق.. في كل زمان ومكان.. أن يكلفوا أنفسهم في البحث عن النصوص التاريخية، والتحقق من أسانيدها، والعوامل السياسية التي أثرت فيها.. ولا سيما المطاعن التي سددت لجيل الصحابة ومن تبعهم بإحسان.
وعذر الأئمة كالطبري وأمثاله في أمرين:
الأول: أنه يروي الحوادث بسندها إلى من رواها ، وقد قيل:"من أسند فقد حمّل"وكان هذا مقبولا في زمنه لكثرة العلماء.
وقد قال الطبري نفسه في مقدمة تاريخه:".. فما كان في كتابي هذا مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة ، ولا معنى في الحقيقة فيعلم أنه لم يؤت من قبلنا ، وإنما أتي من قبل بعض ناقله إلينا ، وإنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا .."، وهكذا أخرج نفسه من العهدة وألقاها على القارئ.
والثاني: أنه لم يهتم بتمحيص ما روي؛ إذ موضوعه التاريخ ولا يترتب عليه حكم شرعي من تحليل أو تحريم أو غيرها .. وقد قال عن نفسه مسوغا هذا التساهل بقوله:"... إذ لم نقصد بكتابنا هذا الاحتجاج"يقصد الاحتجاج للأحكام.
الأمر الثاني: الحذر من التفسيرات المشوهة للتاريخ
في عصرنا اليوم الذي هو عصر الأهواء والعصبيات والتيارات الفكرية يتعرض تاريخنا الإسلامي لتفسيرات مشوّهة مغرضة من قِبل أناس قلبوا الحقائق، وحرّفوا الكَلِمَ عن مواضعه، وإليك - أخي الداعية - نماذج من هذا القلب والتشويه:
فالمستشرقون والمبشرون.. حين يبحثون في التاريخ يخدمون به فكرة بيّتوها عن محمد صَلى الله عليه وسلم ودينه وأصحابه، فمحمد صَلى الله عليه وسلم عند هؤلاء ليس برسول الله، والإسلام ليس بدين الله، وأصحابه ليسوا إلا عصابات من المغامرين المتنافسين على الدنيا، المتعطشين لإراقة الدماء، المكرهين الأمم بالقوة على الإسلام.. لا يعتقدون بدين سوى اليهودية والنصرانية، أما الإسلام في زعمهم نسخة محرَّفة منهما، وتعليم بشر، حتى الحضارة الإسلامية فإنها طبق الأصل عن حضارة اليونان والرومان.. (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) [التوبة:30] .
وفي سبيل هذا يغفلون أحداثًا قيمة، ويضخمون أحداثًا تافهة، ويعتمدون أخبارًا ضعيفة أو مكذوبة، يتصيدونها من أي كتاب، ولو كان كتاب"الأغاني"للأصفهاني. ويوجهون هذا كله توجيهًا مغرضًا مسمومًا يؤيد اعتقادهم السابق عن الإسلام وكتابه ورسوله وأصحابه وأمته.. كأمثال المبشرين: جرجي زيدان، وفيليب حتى، وسلامة موسى..
والماركسيون الشيوعيون .. يفسرون التاريخ - وفقًا لفلسفتهم المعروفة - تفسيرًا ماديًّا طبقيًّا، ويحاولون أن يطبقوا ذلك على نشأة الإسلام وظهوره، ويسفُّون في ذلك غاية الإسفاف، ويحمّلون الوقائع والأحداث ما لا تحتمل، ويقسِّمون الصحابة - رَضي الله عنهم - إلى يمين ويسار، ويديرون صراعًا موهومًا بينهم..
وكثيرٌ من كتّاب المسلمين أنفسهم - ويا للأسف - يخلعون على حوادث التاريخ، ومواقف رجاله ما عرفوه وخبروه من ألاعيب السياسة، ومواقف رجالها في هذا.. ويتخيّلون العلاقة بين عمر وخالد، أو بين عثمان وعلي، أو بين علي ومعاوية وطلحة والزبير - رَضي الله عنهم جميعًا - من أمثال العلاقة بين الطامحين والطامعين من رجالات الأحزاب، وتجّار السياسة في عصرنا، ويفسِّرون المواقف والأحداث تبعًا لهذا التصور الظالم، والمتجنِّي على هذا الجيل المثالي الذي لم تكتحل عين الدنيا برؤية مثله، بل عقمت أم التاريخ أن تلد جيلًا مثل هؤلاء!!
والقوميون من العرب .. يوجهون التاريخ الإسلامي كله وجهة قومية بحتة، فالإسلام في نظرهم انتفاضة عربية أو وثبة من وثبات العبقرية.. ورسول الإسلام - صلوات الله وسلامه عليه - بطل قومي، جادت به أمة العرب على الإنسانية!!