الصفحة 419 من 3812

فمن الطبيعي بعد هذا التفسير المشوّه للتاريخ أن يغدو أبطال الإسلام، وعلماؤه، ورجالاته الكبار على مدار الزمن في نظر هؤلاء أبطالًا عربًا، وأن تُسمى الحضارة الإسلامية أيضًا"حضارة عربية".. وذلك لقطع الصلة بين العرب وبين الإسلام.. علمًا بأنه لولا الإسلام لما كان للمسلمين في التاريخ بطولات ولا حضارة ولا أمجاد.. ورحم الله الفاروق عمر أمير المؤمنين القائل فيما رواه الحاكم:"نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام؛ فمهما ابتغينا العزة بغير الإسلام، أذلنا الله".

فعلى الداعية أن يحذر مثل هذه التشويهات والتفسيرات للتاريخ الإسلامي، بل عليه أن يحذِّر الجيل المسلم من أن يقعوا في شراكها، ويتأثروا بمفاهيمها..

من لهؤلاء .. ؟!!

كان يأتي إلى المسجد الوحيد في المدينة من مكان بعيد جدًّا لأداء صلاة الفجر، وعلى الرغم من المخاطر التي كانت تقابله وكانت تمنع كثيرًا من الناس من الحركة في هذه الساعة المبكرة من اليوم، فقد كان حريصًا أشد الحرص على ذلك، وسمعته يقول:"منذ أن قرأت قول النبي صلى الله عليه وسلم:"بشر المشّائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة"، وأنا حريص على أن أكون من أهل هذا الحديث، إن شاء الله."

سألته: ما الذي دعاك إلى الإسلام .. ؟!

فقال: ولدت في جزيرة صغيرة في البحر الكاريبي لأب مسلم وأم نصرانية، كنت أرى أبي يؤذن في البيت ويصلي، ولكني ما كنت أعرف ماذا يفعل، فقد توفى وعمري سبع سنين فقط لا غير، كل الذي أدريه أنه أسرَّ إلى في مرض وفاته قائلا: (أنت مسلم يا ولدي .. إياك أن تذهب إلى الكنيسة مع أمك .. أنت مسلم، أليس كذلك ؟ !!) ثم فارق الحياة ..

نسيت وصية أبي .. أو قل: لم أكن أفهمها . وذهبت إلى الكنيسة، فقد كانت أمي كاثوليكية متدينة، وما كنت أقتنع بكثير مما أسمعه أو أراه هناك.. فلما كبرت كنت أتفلت من قيود الكنيسة، واشتغلت بالتجارة، فانفتحت على الدنيا، فازدادت غفلتي وبعدي عن التفكير في الأديان جميعها.

حتى جاء اليوم الذي سافرت فيه إلى جزيرة (جاميكا) لغرض التجارة، كنت أسير في أحد شوارع العاصمة , وفجأة .. سمعت صوتا رخيما متخشعا ينادي بالأذان، ما كنت أعرف ماذا يقول، ولكني تذكرت والدي، تذكرته وهو يشدني على صدره، والدموع تملأ عينيه، ويقول لي: ( أنت مسلم .. أليس كذلك ؟!) وكأنه يستعطفني أو يستجديني، أحسست برعدة شديدة تسري في حسدي، لا أدري لماذا اقترن الإسلام عندي بالأذان، فما كنت أعرف عنهما شيئا . وأخذت أرتجف، حتى انفجرت بالبكاء .. مشاعر كثيرة اختلطت في ذهني، وكأني وجدت شيئا عزيزًا على نفسي طالما افتقدته .. بكيت، وبكيت.. وما كنت أبالي بنظرات المارة الذين ينظرون إلي ويتعجبون.

ذهبت أبحث عن مصدر الصوت، حتى دلوني على المسجد، فوجدت المؤذن رجلا كبيرًا أميا لا يعرف شيئا كثيرًا عن الإسلام، فعاجلته بالسؤال بعد السؤال، لكنه لم يشف غليلي، وإنما دلني على مكتبة المسجد، فما وجدت فيها شيئا أقرؤه إلا ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الإنجليزية .. فأخذت أقرأ بنهم شديد حتى وقفت على قول الله تعالى:)لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (المائدة:73) .. فأحسست بهزة عنيفة أيقظتني من سبات عميق، وما بت تلك الليلة إلا وأنا أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

تأملت هذه القصة، ثم رجعت إلى نفسي، وقلت: كم هم أولئك الحيارى الذين يتخبطون في ظلمات الجاهلية شرقا وغربا، بل وفي ديار الإسلام، ومنهم من كانت أمهاتهم غير مسلمات ومع ذلك لم نحسن عرض الإسلام عليهم بصفائه ونقائه ومحاسنه العظيمة؛ على الرغم من التقنيات الهائلة التي تميز بها هذا العصر، حتى إن القرآن العظيم لم تتيسر لنا ترجمة معانيه ترجمة سليمة خالية من الأخطاء المنهجية واللغوية إلى اللغات الحية فضلا عن اللغات الأخرى.

إن البشرية .. كل البشرية متعطشة إلى هذا القرآن العظيم لينقذها من حيرتها وتخبطها، وإنه أمانة عظيمة، فهل نعي هذا ..؟!!

دور المسجد في بناء الشباب

مرحلة الشباب هي المرحلة الحرجة التي يمر فيها الشباب بتغيرات جسمية ونفسية وعاطفية، ويتعرض فيها للصراع بين المثل العليا والسقوط في حمأة الرذيلة، وللتناقض والازدواجية بين ما يلقنه وما يعيشه وبين ما يسمعه وما يراه.

المسجد طوق النجاة

والمسجد بالنسبة للشباب في هذه المرحلة هو طوق النجاة، والداعية الناجح هو السباح الماهر الذي يستطيع أن ينتشل هذا الغريق من بين أمواج الفتن والظلمات التي تكتنفه من كل جانب..

ونحن نوجه الحديث هنا إلى الدعاة فقط، ولا نخاطب الموظفين من أجل"لقمة العيش"فهؤلاء نسقطهم تمامًا من الحساب.. نتحدث مع الدعاة الذين حملوها أمانة ملكت عليهم أنفسهم، وسرت في شرايين أجسامهم، فأصبحت هي شغلهم الشاغل وهمهم المُقعِد المقيم.. لا عن الذين قال فيهم الشاعر:

فأما القتال فلا قتال لديكم.. ... ..ولكن سيرًا في عراض المواكب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت