الصفحة 420 من 3812

إن الداعية الذي أخلص لله نفسه هو الذي يجعل من رسول الله r قدوته ومثله الأعلى، فقد كان رسول الله r هو المحور الذي تدور عليه الحياة من حوله، فقد كان أبًا لكل صغير، وأخًا لكل كبير، وملاذًا يلجأ إليه الناس لحل ما استعصى عليهم من مشاكلهم، وقد كان المعلم والمشرف الاجتماعي والطبيب النفسي، ولن يستطيع الداعية إلى الله تمثُّل هذه القدوة إلا بثقافته العالية التي تنمو يومًا بعد يوم، فرسالته وعلمه هما اللذان يفرضانه على الناس، والعمل الجيد يفرض نفسه.

وبالطبع لن نستطيع استيعاب دور المسجد في هذا المجال الضيق، ولكننا سنركز على ما يمكن أن يقدمه المسجد للشباب، فالمسجد وحده هو الذي يستطيع أن يقدم للشباب ما عجزت أن تقدمه لهم المدرسة والبيت والشارع ووسائل الإعلام.

يقول علماء النفس في هذا المجال: إن مرحلة المراهقة هي الفترة التي يكون الدين فيها بالنسبة للشاب، هو المخرج والمتنفس الوحيد، الذي يحقق له الأمان من الضغوط النفسية والمشاكل الانفعالية، التي تقع عليه من داخل نفسه وخارجها.

فنذكر إخواننا الدعاة أن المعركة ميدانها عقول الشباب، والشباب الذي يعاني من الفراغ الديني يقع فريسة لا تكلف شيئًا للشيوعية والمذاهب التي تدعو إلى ا لتحلل من ضوابط الدين.

وإن الشيوعيين (وكل أصحاب الأفكار الهدامة) على ما عندهم من البضاعة المزجاة، فإنهم عرضوها على الشباب عرضًا أنيقًا منمقًا، جعل بعضهم يفتتن بهذا المسخ المنحرف للفطرة البشرية.. فكيف بنا ونحن أصحاب الدين الحق نفشل في عرض ديننا عرضًا قويًّا مغريًا ينبئ عن حقيقته الرائعة..؟

وإن نصيبًا كبيرًا من هذا التحلل الذي ينتاب الشباب يقع العبء فيه والمسؤولية عنه أمام الله في ساحات القيامة على عاتق الذين يخذلون دينهم ودعوتهم ، أو الذين يسيؤون طريقة عرض الدين على الناس ، أو يعرضونه بطريقة منفرة

ما الذي يمكن أن يقدمه الداعية إلى الشباب؟

إن شبابنا في طول الوطن الإسلامي وعرضه ما زال بخير رغم حملات التضليل الضارية التي تشن عليه من كل الجبهات المعادية للإسلام.. وشجرة الإيمان مازال أصلها ثابتًا في قلوبهم، ولكنهم يفتقدون القيادة.. يفتقدون القدوة، بعد ما أصيبوا بالإحباط وبالغصص في حلوقهم وهم يرون الأكابر كل يوم يقولون ما لا يفعلون.. يسمعون كلامًا رنانًا ووعودًا جوفاء يصرح بها اليوم لتبتلع غدًا.

والشخصية الوحيدة التي يمكن أن تقدم هذه القدوة حية متجسدة هي شخصية الداعية المخلص، فيصبح بذلك أجمل عنوان لأعظم رسالة. ومهمة الداعية هي أن يقوم بعملية حصار للأباطيل والمبادرة إلى الرد على محاولات النيل من العقيدة، وتصحيح مفاهيم الشباب من الخلط والخبط الذي تمارسه وسائل الإفساد.

نريد أن تتحول خطبة الجمعة إلى"مدرسة الجمعة"مدرسة تعالج فيها موضوعات الساعة وقضايا الشباب، مدرسة تعرض عظمة الإسلام في معالجة مشاكل العصر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ونحن لا نلقي بالًا للذين يهرفون بما لا يعرفون ويقولون بفصل الدين عن الدولة. (قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) [الأنعام:91] .

ولا نريد من الداعية أن يكون دوره هو الدور الإيجابي الوحيد.. فما المانع أن يكون الداعية مكتبة في مسجده بالجهود الذاتية يستطيع كل رواد المسجد الاستعارة منها بموجب إيصال مطبوع يكتب عليه المستعير بياناته فتكون استعارة الكتب منها خالية من تعقيدات المكتبات العامة.. إننا بمثل هذا العمل نستطيع جذب المزيد من السباب المسلم إلى المسجد وربطه به.

ما المانع أن يتنازل الداعية عن الدرس بعد صلاة الجمعة، ليقدم أحد الشباب من رواد المسجد ليلقي موعظة يكون هو قد أشرف على أعدادها أو يقدم طالبًا من كلية الزراعة، أو الطب، أو الصيدلة، ليقدم إلى جماهير المصلين وجبة علمية إسلامية من خلال تخصصه يفيد منها المسلمون في حياتهم العامة.. إن هؤلاء الشباب سيكونون صفًا ثانيًا للدعوة إلى الله..

ومن أجل الأعمال التي يمكن أن يقدمها المسجد للفتاة المسلمة أن يخصص الداعية ساعة معينة في يوم معين من أيام الأسبوع لتكون درسًا للمرأة المسلمة، والمرأة ليست أقل تأثرًا من الرجل في شؤون العقيدة، وليس هذا بدعًا من الأعمال، فعن عن أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال جاءت امرأة إلى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رَسُول اللَّهِ ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تعلمنا مما علمك اللَّه. قال:"اجتمعن يوم كذا وكذا". فاجتمعن فأتاهن النبي صلى الله عليه وسلم، فعلمهن مما علمه اللَّه، ثم قال:"ما منكن من امرأة تقدم ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابًا من النار". فقالت امرأة: واثنين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"واثنين".

ومما يزيد من حيوية المسجد وإشعار المسلمين بعظمة الإسلام أن تقدم من خلال المسجد نماذج تطبيقية للسلوك الإسلامي في مجال التكافل الاجتماعي، بأن يقوم الداعية بمساعدة شباب المسجد بقيادة حملة لجمع التبرعات من الملابس والأغطية وغيرها، وذلك في بداية فصل الشتاء، ثم يقوم بعد ذلك بتوزيعها على الفقراء.

كل هذا النشاط يمكن أن يقوم به الداعية لمزيد من ربط الشباب بالعقيدة من خلال المسجد، ونحن نقدمها كأمثلة ولكنها ليست نظرية، لأنها طبقت وآتت ثمارًا طيبة والحمد لله رب العالمين. ولعل بعض الأخوة الدعاة قد تجاوزوا هذه المرحلة فهنيئًا لهم توفيق الله لهم.

المسجد ومشكلات الشباب العاطفية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت