الإسلام لا يدفن رأسه في الرمال، ولا يعامل البشر كملائكة، ولم يجعل الجنس عيبًا ولا دنسًا ولا قذرًا إذا كان في إطار من الحدود التي حدها الله عز وجل، وتأسيسًا على ذلك فليس هناك مانع على الإطلاق من التعرض لمشكلات الشباب الجنسية والعاطفية، سواء أكان ذلك على المنبر أو في الدرس بعد الجمعة.
وليس من المعقول أن تعرض الفضائح على الشاشات، وعندها نأتي لنعالج نتحرج من العلاج، فنكون قد أخلينا الميدان تمامًا لهذه الوسائل لتمارس الهدم كما يحلو لها..
ولأن الكلام في الجنس سلاح ذو حدين، فإننا سنضع بعض الضوابط التي تساعد الداعية في هذا المضمار:
أولًا: توعية المستمعين بأن الكلام في الجنس للإصلاح أو للتعليم ليس حرامًا، فإن العلم يضيع بين الكبر والحياء، وهذا رسول الله r يقول:"أيها الناس.. إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهنَّ".
ثانيًا: معالجة الموضوعات الجنسية بصورة مهذبة، وألفاظ غير جارحة للحياء والمشاعر، ولنا في كتاب الله وسنة رسوله - عندما يتحدث عن الجنس - أسوة حسنة ومنهج راشد.
ثالثًا: عدم تسليط الأضواء القوية على الأفعال الجنسية والدخول في التفصيلات التي تثير الشهوات، فإن الله عز وجل عرض في القرآن قضية الشذوذ الجنسي، وتحدث عن اللحظات الحرجة التي يعلو فيها نداء الغريزة فوق كل نداء، تحدث عن يوسف وامرأة العزيز، مشهد جرت تفاصيله داخل حجرة نوم امرأة العزيز، ومع ذلك لم يكن تركيز القرآن على أنواع العطور التي وضعتها، ولا الملابس التي لبستها، ولا على صنوف المغريات والمهيجات، ولكن التركيز كان مسلطًا على موقف الترفع والتسامي والاعتصام بالله، وتفضيل النوم وراء القضبان على النوم على الأثاث والرياش ونيل المتعة، فينبغي على الداعية أن يكون غاية همه ليس الفعل في ذاته، وإنما في الأضرار المترتبة عليه.
رابعًا: على الداعية أن يكون محيطًا بالموضوع الذي يتحدث فيه إحاطة كاملة من شتى جوانبه، وأن تكون عنده خلفيات عنه يحتفظ بها لنفسه، فليس كل ما يقرؤه أو يعلمه يتحدث به إلى الناس، وذلك لأن نسبة عالية من الشباب الذي يستمع إليه قرأ الكثير عن الموضوع الذي يعرضه، فإذا لم يشعر الشباب الذين يستمعون إليه أنهم أضافوا إلى معلوماتهم جديدًا، وصححوا مفاهيمهم الخاطئة من منطق الإقناع والحجة، فإن النتيجة ستكون فقدان الثقة بالداعية ومعلوماته معًا. ولعل في الكتاب الذي بين يديك وفي المراجع التي رجع إليها ما يعينك على كثير مما تريد، وفقني الله وإياك إلى سبيل الرشاد.. (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت:69]
ـــــــــــــــ
بقلم/ عبد الرحمن واصل
الدعاة .. ورعاية مقتضى حال المدعوين
الذكاء في الدعوة إلى الله له دوره الكبير والمؤثر في نشر هذه الدعوة بين الناس وفي مدى قبولهم لها وانتفاعهم بها .. ومن أكبر ما يعين الداعية على ذلك مراعاة حال المدعوين وما يناسبهم في لحظتهم من أنواع الخطاب وهو ما يسمى بمراعاة مقتضى الحال.
فينبغي للمرشد (الداعية) النابه أن يلاحظ ما تقتضيه أحوال الأشخاص والمجتمعات الخصوصية والعمومية، ويراعى أيضًا الزمان والمكان من إلقاء درس أو خطابة أو شدة أو لين أو جدل بالحسنى أو ضرب مَثَل أو رواية قصص أو إيجاز أو إطناب فيما يقول إلى غير ذلك مما يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، والجامع لهذه المتفرقات قول الله جل ثناؤه: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل:125] ، فإنه تعالى أمر النبي صَلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى دين الإسلام - الذي عبر عنه تارة بالصراط المستقيم، وأخرى بملة إبراهيم - بالمقالة المحكمة وهي الحجة القطعية المزيحة للشبهة، وذلك بالنسبة لأولى النفوس القويةِ الاستعداد لإدراك المعاني الطالبين للحقائق وهم الخواص، وبالخطابيات المقنعة والعبر النافعة على وجه لا يخفى عليهم أنك تناصحهم وتتوخى الخير لهم، وذلك بالنسبة لذوي النفوس الكدرة ضعيفة الاستعداد الشديدة الألف للمحسوسات القوية التعلق بالرسوم والعادات، ولكن لا عناد عندهم وهم العوام، وبأحسن طرق المناظرة والمجادلة من الرفق واللين واختيار الوجه الأيسر، واستعمال المقدمات تسكينًا لشغْبهم وإطفاءً للهبهم، كما فعل الخليل عليه السلام، وهذا بالنسبة للمعاندين المجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق، لما غلب عليهم من تقليد الأسلاف، ورسخ في نفوسهم من العقائد الباطلة فصاروا بحال لا تنفع فيه المواعظ والعبر، بل لابد من إلقامهم الحجر، لكن بأحسن طرق الجدال لتلين عريكتهم وتزول شكيمتهم.
أحوال المدعوين
ويصح أن يقال: إن هذه الآية الكريمة إشارة إلى أن المدعوين على ثلاثة أحوال:
منيب متذكر: ، وهذا شديد الحاجة إلى معرفة الأوامر والنواهي.
ومعرض غافل: ، وهذا شديد الحاجة إلى الترغيب والترهيب.
ومعارض متكبر: وهذا شديد الحاجة إلى المجادلة .
فجاءت هذه الآية الكريمة في حق هؤلاء الثلاثة، ولم يقيد الحكمة بوصف الحسنة؛ إذ كلها حسنة بخلاف الموعظة، إذ ليس كل موعظة حسنة، وكذلك الجدال.. وهذا قد يرجع على حال المجادل وغلظته ولينه وحدته ورفقه، فهو مأمور بمجادلتهم بالحال التي هي أحسن.