إن الوصول إلى القمة ليس الأهم لكن الأهم البقاء فيها، وإن الانحدار إلى القاع ليس هو الكارثة لكن الكارثة هو الاعتقاد أنه لا سبيل إلى الخروج من القاع، ليس والله الدواء في بكاء الأطلال وندب الحظوظ إنه في الترفع عن الواقع بلا تجاهل له، فالاستعلاء النفسي عليه في تحرر الفكر من إرهاقه ويأسه وخياله، بإرادة قوية حرة أبية يمكن تحويل عوامل الضعف إلى القوة بإذن رب البرية ( إن الرسول صلى الله عليه وسلم حين حصل في أحد ما حصل شج وجهه وكسرت رباعيته وانخذل عنه من انخذل وإذا به يزيل الآثار النفسية من قلوب المؤمنين بنقلهم إلى مواجهة جديدة في حمراء الأسد لملاحقة المشركين الذين لو كانوا حقا منتصرين لما ولوا الأدبار قافلين ولقضوا على البقية الباقية من المسلمين وهذا يدل على حكمة الرسول الأمين عليه صلوات الله رب العالمين، وأبو بكر رضي الله عنه يأتي من بعده وقد تربى على سنته بعد أن كادت نواة الإسلام تضيع في طوفان الردة، فإذا به ينقل الأمة نقلة من واقع إلى واقع بتأب عن اليأس وترفع على الهزيمة وحاله:
فليس يجلي الكرب رأي مسدد إذا هو لم يؤنس برمح مسدد
إن المستقبل لهذا الدين بدون منازع ولكنه لا يتحقق بالمعجزات السحرية ولكنه بالعمل والبذل والدعوة إلى الله من منطلقات صحيحة على منهج أهل السنة والجماعة ( ووعد الله لن يتخلف لكنه لن يتحقق أبدا على يد أقوام لا يستحقونه ولا يفهمون سننه ولا يضحون من أجله) .
مؤمن آل يس.. ودروس للدعاة إلى الله
دين الله رحمة، ونبي الله صلى الله عليه وسلم أعظم رحمة: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107] .
إن إنقاذ الناس من الكفر ـ بلا شك ـ رحمة، وإن إرشاد الضال رحمة، وإن التثبيت على الصراط المستقيم بعد حيرة الشك رحمة، وإن إخراج الإنسان من فتنة الشهوات وحيرة الشبهات رحمة، وإن توبة العاصي رحمة، وإن الهداية بعد العمى والضلال رحمة، وإن العلم النافع بعد الجهل رحمة.
ومن الرحمة: أن تُقدَم النصيحة للمخطئ، وأن يوعظ الغافل، وأن ينبَه الشارد، وأن يُدلَّ الناسُ دومًا على الخير، وأن يؤمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر.
وإن الداعي إلى دين الله عز وجل يكون رحيمًا بالعباد، حكيمًا، واسع الصدر، صدوقًا، مخلصًا، يبدأ بنفسه، ويتمنى الخير للناس جميعًا، ويدعوهم إلى ما أحبه لنفسه ورضيه لروحه مما فيه صلاح الدنيا وسعادة الآخرة، فهو يعيش لدعوته يرجو رحمة الله وفضله..
حبيب وطريق النور
إنه طريق النور، طريق الأنبياء والمرسلين، ومن معالمه الأساسية ما وضحه مؤمن آل يس حين قال لقومه: (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) [يس:20- 25] .
فقد أسمع هذا الداعي الأمين الصالح الناس معتقده الصحيح المؤسس على الدليل والبرهان قبل أن يفارق الدنيا، وكأنه يريد أن يقول: ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.
لقد شافه الداعي الأمين قومه بذلك، وصدع بالحق إظهارًا للثبات على الدين وعدم المبالاة بما يصدر عن المتعنتين، وإن إضافة الرب إلى ضمير المخاطبين في (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ) لتحقيق الحق والتنبيه على بطلان ما هم عليه من اتخاذ الأصنام أربابًا، أي: إني آمنت بربكم الذي خلقكم (فَاسْمَعُونِ) ، أي: فاسمعوا قولي واقبلوه، فإني لا أبالي بما يكون منكم بعد ذلك.
لقد كان هذا الداعي الأمين قوي الحجة، ساطع البرهان، صادق اللهجة، ثابت الجنان، عظيم الرغبة في الخير لنفسه وللناس، اعتصم بحبل الله، وأخلص العمل لله، وثابر في الدعاء إلى الله حتى حظى بالشهادة، ونال الكرامة، وفاز بالرضوان، وفرح بلقاء ربه، فقد ضاقت صدور الملحدين، وتحير أمام الحجة البالغة الحاقدون المناوئون، فوثبوا على الرجل الصالح وثبة رجل واحد فقتلوه (قيل رجموه ، وقيل حرقوه، وقيل وطؤوه بأرجلهم ) ولم يكن له أحد من القوم يمنع عنه، ويرد هجمتهم الشرسة. فلم يزالوا به حتى فاضت روحه إلى بارئها، وظل القلب الطاهر يهتف"اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون".
ياليب قومي يعلمون
وجاءته البشرى، واستقبلته ملائكة الرحمة، ووجد دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، لقد كان رحيمًا بالناس فرحمه رب الناس: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) فلما شاهدها (قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ *بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي) [يس: 26، 27] ، أي بغفران ربي لي.
لقد أذهب الله عن حبيب حزن الدنيا وسَقْمهَا ونصَبَها، وهو المؤمن الناصح، فلما عاين من كرامة الله تمنى على الله أن يعلم قومه ما عاين من الكرامة والرحمة والرضوان: (قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) .
فتمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله.. قال ابن عباس رضي الله عنهما:"نصح قومه في حياته بقوله: (يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) وبعد مماته بقوله: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) ". [رواه ابن أبي حاتم] .