الصفحة 446 من 3812

فيا من رفعت كفيك في رمضان طالبًا الهداية، راغبًا في الإنابة، زاعمًا الرجوع، مدعيًّا الإقبال، هل صدقت في زعمك، ووفيت مع ربك بعد رمضان؟ أم أنك رغت روغان الثعلب فتعاملت مع الله بذمتين: ذمة رمضانية، وذمة غير رمضانية، ولقيت الله بوجهين و"شر الناس ذو الوجهين".

إن بعض الناس بمجرد أن انقضى رمضان عادوا إلى سالف عهدهم وسابق زللهم، وكأنهم كانوا في رمضان محبوسين مكبوتين مكبلين، فبمجرد انتهائه انطلقوا من محبسهم وغرقوا في الذنوب والمعاصي فهدموا ما بنوا ونقضوا ما غزلوا فكانوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا .. وهي امرأة خرقاء كانت بمكة تظل تغزل يومها غزلا قويا رقيقا دقيقا فإذا كان آخر النهار أخذت بطرف الخيط فنقضت ما غزلت وأفسدت ما فعلت فأضاعت عمرها وأفسدت عملها فحذرنا الله أن نكون مثلها (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (النحل:92) .

إن من علامات قبول العمل المداومة عليه، ومن علامات قبول الطاعة الطاعة بعدها.. ومن أعظم علامات قبول رمضان ألا تنقطع أعمالك فيه بمجرد ظهور هلال شوال.. وخلاصة القول إن الاستقامة على العمل هي أكبر علامات قبول العمل، وأن الاستقامة أعظم كرامة.

أسباب تحصيل الاستقامة

وإذا كانت الاستقامة هي الحل وهي السبيل كما جاء في الحديث السابق، فينبغي أن يعلم أن هذه الاستقامة لا تتأتى بالأماني، وإنما لها شرائط وأسباب.

أولا: الاستعانة بالله: أن تعلم أن الذي أقامك لعبادته في رمضان هو الله، وهو وحده القادر على أن يعينك على المداومة والاستمرار، فليست الاستقامة فتوة منك ولا قدرة فيك، وإنما هي محض منة الله وفضله أن يوفق عباده للطاعة ثم يتقبلها منهم، وهذا الاعتراف منك هو بداية الاستقامة. أما الناظر إلى عمله المحسن الظن بنفسه الذي يظن أن عبادته إنما هي بقدرته وقوته؛ فهذا يكله الله إلى نفسه، ومن وكله الله لنفسه هلك، ولذلك كان من دعاء النبي - صَلى الله عليه وسلم:"ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدًا" [أبو داود: 4426] ، وقال:"إنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة وذنب وخطيئة" [أحمد 20678] .

ثانيا: المجاهدة: فليست الاستقامة نعيما يرتويه الإنسان وينتعش به وهو نائم على فرش الراحة والبطالة.. بل هي الجد في العبادات، والتشمير في الطاعات، والعنت والتعب في ترك الملذات والمشتهيات والمحبوبات، فتترك الطعام وأنت تشتهيه لتصوم لله كما صمت في رمضان، وتترك النوم وأنت تهواه لتقوم الليل كما قمت في رمضان، وتخرج المال وأنت تحبه لتتصدق لله كما تصدقت في رمضان.

إنها مجاهدة النفس، ومجاهدة أعداء الله من الشياطين ومن إخوانهم الظالمين، وتصبير النفس على أذاهم لعباد الله المؤمنين، فحياة الاستقامة كلها تعب ونصب وجد واجتهاد، ولا يستوي عند الله من جاهد نفسه في جنبه ومن أراح نفسه واستراح ..

إن الله لا يَمُنُّ عيك بالاستقامة ويذيقك لذتها ويعطيك ثوابها، إلا إذا ثابرت عليها وعملت لها ودعوت الناس إليها، وجاهدت حتى تصل إليها. قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت:69] ، (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة:24] .

قيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: إذا وضع قدمه في الجنة.

وقال الشافعي: لا ينبغي للرجل ذي المروءة أن يجد طعم الراحة، فإنما هو في هذه الحياة الدنيا في نَصَبٍ حتى يلقى الله.

فما أحراك أيها الغيور الطالب للجنة أن تصبر وتصابر. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا) [آل عمران:200] .

علامات على طريق الاستقامة

الاستقامة والفتور: وأكبر ما يصيب الاستقامة الفتور والضعف والتقصير في بعض الأحيان، وهو أمر لازم دلَّ عليه ما رواه الإمام أحمد بسند حسن أن رسول الله - صَلى الله عليه وسلم - قال:"إن لكل عمل شرّة ولكل شرّة فترة ، فمن كانت فترته إلى سنتى فقد نجا ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك".. وقال عمر رضي الله عنه:"إن لهذه القلوب إقبالًا وإدبارًا، فإن أقبلت فخذوها بالنوافل، وإن أدبرت فاعتصموا بها على الفرائض".

فالفرائض والواجبات وترك المحرمات، حدود ينبغي أن يلزمها المستقيم حتى يكون مستقيمًا، وحتى في فترات الضعف وخور العزيمة لا يجوز له تجاوز هذه الحدود، فإذا فرط في بعض النوافل، بعض الأوقات، فلا يقدح ذلك في استقامته، ولكن عليه بالمجاهدة حتى يعود إلى قوته، وينتقل من فترته إلى شرته. ونسأل الله أن يقيمنا على طاعته، ويديمنا على محبته، ويعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت