الاستقامة والذنوب: ثم إن من الواجب أيضا أن يُعلَم أن هذه الاستقامة لا تعصم صاحبها أن ينكب ببعض الذنوب وأن يصاب ببعض الزلل في لحظة ضعف أو غفلة، فإن هذا حال لابد منه كما جاء في الحديث:"والله لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم". وكما روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر عن رسول الله - صَلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى:"يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم.. يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم.. يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم.. يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم".
فالاستقامة قد يصيبها ما يصيبها، فما دورك أنت إذا نيلت توبتك بذنب أو أصيبت بثلم ؟!
إن دورك هو المعاودة، وإعادة المحاولة: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ) [الزمر:54] . فلا تيأسن من الله ولا تقنطن من رحمته سبحانه، فإن القنوط باب من أبواب الكفر.
الاستقامة مطلب دائم: ثم اعلم - رحمني الله وإياك - أن هذه الاستقامة لا يجوز أن تكون في البدايات دون النهايات، ولا ينبغي أن يظن أن البحث عنها وطلبها يكون في أول الطريق دون آخره، بل هي لازمة مستمرة معك حتى وأنت في أوج ولايتك وفي عظيم قربك ووصلك مع الله. كيف لا وقد أمر بها أقرب المقربين، سيد الأولياء الصالحين، نبينا محمد صَلى الله عليه وسلم، حين أنزل الله عليه: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ) (هود:1121]، فكانت أشد آية نزلت عليه حتى قال:"شيبتني هود"فهي مكية، نزلت عليه وهو يقيم الليل كله، ويجاهد المشركين ويصدع فيهم بالحق ويلاقي منهم العنت والعذاب والأذى هو وأصحابه، وفي هذا الخضم تنزل(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) ، فإن الاستقامة تكون مع معالي المجاهدات.
وانظر إلى موسى عليه السلام، الذي جاهد في الله حق جهاده، وهو في قمة المقارعة لفرعون يقول: (رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...) [يونس:88] (...فَاسْتَقِيمَا) [يونس: 89] .
(أجيبت دعوتنا) نقعد، نتكاسل، ننام؟.. لا.. قد أجيبت دعوتكما.. فاستقيما.
أجيبت دعوتكم في رمضان فاستقيموا.. تقبلت طاعتكم فأديموا.. رضِي الله عنكم فاستمروا.
اللهم إنا نسألك يا أكرم الأكرمين، كما مننت علينا بالطاعة في رمضان، أن تمن علينا بها بعد رمضان..
اللهم إنا نسألك يا أرحم الراحمين، كما وفقتنا للقرآن في رمضان أن توقفنا له بعد رمضان.
اللهم إنا نسألك يا أرحم الراحمين، كما وفقتنا للقيام في رمضان، أن توفقنا له بعد رمضان.
قبل أن تخسر رمضان
فمنذ أيام قريبة مضت كنا نسأل الله أن يبلغنا رمضان وأن يمد في أعمارنا وينسأ في آجالنا حتى ندركه، وعاهدنا الله عهودًا كثيرة إن هو أبقانا إلى رمضان.. عهودًا على الطاعة وبذل الجهد واستفراغ الوسع في العبادة وعمل الصالحات، واستجاب الله دعاءنا بمنه بلغنا رمضان بفضله وكرمه، وجاء رمضان وكما هي عادة الأيام المباركات مر مسرعًا، فإن مثل مواسم الخير وساعات البر كمثل القطار أو الطائرة من كان مستعدا له منتظرا قدومه ركب فيه فبلغ به غايته وحقق به امنيته، ومن كان غاغلا عنه فاته غير أن رمضان إذا فات فلا يعوض.
إن أيام رمضان أشبه ما تكون بعقد انقطع سلكه فانفرطت خرزاته سريعا، فمرت منه (كما يقول البعض) عشر الرحمة، وكل أيامه رحمة، ثم عشر المغفرة وساعاته كلها مغفرة، وهانحن قد بدأنا عشر العتق من النار.
وقفة للمحاسبة
لقد مضى من رمضان ثلثاه وزيادة، ولم يبق إلا الثلث أو أقل، فينبغي على المسلم أن يقف وقفة يحاسب فيها نفسه: ماذا قدم فيما مضى؟ وماذا يرجو مما بقي؟ حتى لا يخرج رمضان كما دخل وحتى لا نخرج نحن منه كما دخلنا فيه، فما يدرينا هل ندرك رمضان آخر أم تسبق إلينا الآجال وتنقطع منا الأعمال.
لابد من هذه الوقفة للمحاسبة لتعرف أين أنت، وماذا استفدت من صيامك وقيامك؟ وهل تحققت فيك مقصود الله من فرض الصيام؟ وهل تحقق لك مقصودك أنت من شهر رمضان؟
هل رق قلبك بعد قسوته؟ هل نديت عينك بعد جمودها؟
هل تحسنت بالصوم أخلاقك، وتهذبت به ألفاظك؟
هل قويت إرادتك بالصوم فتركت معاص كنت تقترفها من شرب دخان أو نظر إلى المسلسات والأفلام أو غيرها.
هل أحسست بنسائم المغفرة وقد هبت على ذنوبك لتمحوها؟
هل أحسست بسحائب الرضوان وقد تنزلت على نفسك لتزكيها؟
هلا أحسست ببشائر العتق من النار، قد دللت عليها خفة في النفس، وانشراح في الصدر، وانطلاق وانهمال للعين، وإقبال في أريحية إلى العبادة؟
هل اشتم قلبك ريح الجنة ونسيمها، أم أن قلوبنا مازالت مزكومة ببرد المعاصي ومحجوبة بطبقات الران عليها؟
لقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم صائمين ليس لهم من صيامهم إلا الجوع والعطش. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم قائمين ليس لهم من قيامهم إلا طول السهر. ذاك أنهم لم يعرفوا من الصيام إلا الإمساك عن الطعام والشراب، ولم يدركوا مقاصد شهر رمضان: مازلنا والله نراهم..
أغفل الناس في زمان الجد والاجتهاد.
أولع الناس ـ في نهار رمضان ولياليه ـ بمشاهدة الشاشات والجلوس أمام القنوات.
أكثر الناس تسكعا في الأسواق في مواسم الخيرات.
الناس في المساجد يطلبون من ربهم العفو والمغفرة وهم يجلسون على المقاهي يشربون النرجيلة ويلعبون بالنرد.
الناس يتوددون إلى الله بقراءة القرآن ويتضرعون إليه بالدعاء وهم يلعبون الورق إلى السحر.
الناس يمسكون بتلابيب رمضان حتى لا يذهب وهم يتململون منه ويتمنون انتهاءه وانقضاءه.