فهرس الكتاب
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال: بلغني أن نبي الله موسى عليه السلام مر برجل يدعو ويتضرع، فقال: يارب ارحمه، فإني قد رحمته فأوحى الله تعالى إليه: لو دعاني حتى ينقطع قواه ما استجيب له حتى ينظر في حقي عليه .
فمن أنفع الأمور للقلب النظر في حق الله على العباد، فإن ذلك يورثه مقت نفسه، والإزراء عليها ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي ربه، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله، ومغفرته ورحمته، فإن من حقه أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.
فالذي ينبغي على المؤمن العاقل أن يحاسب النفس ويشارطها على حفظ جوارحه: العين، والأذن، والفم، واللسان، والفرج، واليد، والرجل، ثم مطالعتها والإشراف عليها ومراقبتها، فلا يهملها، فإنه إن أهملها لحظة رتعت في الخيانة ولا بد، فإن تمادى على الإهمال تمادت في الخيانة حتى تذهب رأس المال كله، فمتى أحس بالنقصان انتقل إلى المحاسبة، فحينئذ يتبين له حقيقة الربح والخسران، فإذا أحس بالخسران وتيقنه إستدرك منها ما يستدركه الشريك من شريكه: من الرجوع عليه بما مضى .
وما أحوجنا اليوم إلى المحاسبة، ونحن في زمن كثرت فيه دواعي الشهوات، وتعددت المغريات، وتنوعت الملهيات، فالأمر جد أيها الأخوة الكرام، فلا بد من الحزم والإقدام، وقبل الرحيل وفوات الأوان.
ومما يعين المرء على تلك المحاسبة: معرفته أنه كلما اجتهد فيها اليوم استراح منها غدا إذا صار الحساب إلى غيره، وكلما أهملها اليوم اشتد عليه الحساب غدا .
إضافة إلى معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس، والنظر إلى وجه الرب سبحانه، وصحبة النبيين والأخيار، وخسارتها: دخول النار والحجاب عن المولى سبحانه، مع من حجب من الأشقياء والفجار.
وفي الختام ندعو الله أن يحفظنا وإياكم من الزيغ واتباع الهوى، وأن يزكي أنفسنا بطاعته، فهو وليها ومولاها، والحمد لله رب العالمين.
أكثروا ذكر هاذم اللذات
الموت مخلوق عجيب من مخلوقات الله تعالى، خلقه ليبلو العباد أيهم أحسن عملا: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) [الملك:1، 2] .
وقد نصب الله تبارك وتعالى الموت دليلًا على قدرته الباهرة وعظمته القاهرة؛ فقضى به على الصغير والكبير، والغني والفقير، والوزير والحقير، والمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمطيع والعاصي، والذاكر والناسي. قصم به رقاب الجبابرة، وكسر به ظهور الأكاسرة، وقصر به آمال القياصرة. أذل به رقابهم، وأخضع له أعناقهم، ونقلهم جميعًا راغمين صاغرين من القصور إلى القبور، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود، ومن ملاعبة الجواري والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان، ومن التنعم بالطعام والشراب إلى التمرغ في الوحل والتراب، ومن أُنس العشرة إلى وحشة الوحدة؛ حيث لا أنيس ولا جليس، ومن المضجع الوثير إلى المصرع الوبيل.
والموت كما يعرفه العلماء هو:"انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقتها له". ومع هذا تبقى حقيقة الموت ـ كما الحياة ـ آية من آيات الله، ويظل سريان الروح في البدن وانتزاعها منه سرًا خافيًا وراء الستر المسبل بيد الله تعالى، لا يعرف كيفية ذلك إلا الذي خلق الموت والحياة ؛ كما ذكر الإمام القرطبي في تذكرته قال: كان أعرابي يسير على جمل له فخرَّ الجمل ميتًا، فنزل الأعرابي عنه، وجعل يطوف به ويتفكر فيه، ويقول:"مالك لا تقوم؟ مالك لا تنبعث؟ هذه أعضاؤك كاملة وجوارحك سالمة؟ ما شأنك؟ ما الذي كان يحملك؟ ما الذي كان يبعثك؟ ما الذي عن الحركة منعك."
جاءته من قبل المنون إشارة.. ... .. فهوى صريعًا لليدين وللفم
هذي يداه وهذه أعضاؤه.. ... ..ما منه من عضو غدا بمسلم
هيهات ما حبل الردى محتاجه.. ... ..للمشرفي وللحسام اللهذم
هي ويحكم أمر الإله وحكمه.. ... ..والله يقضي بالقضاء المحكم
يا حسرتا لو كان يقدر قدرها.. ... ..ومصيبة عظمت ولما تعظم
خبر علمنا كلنا بمكانه.. ... ..وكأننا في حالنا لم نعلم
وإذا كان الموت هو"انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقتها له". إلا أنه ليس عدمًا محضًا ولا فناءً صرفا، وإنما هو تبدل من حال إلى حال، وانتقال من دار إلى دار. قال عمر بن عبد العزيز:"يا أهل الدنيا إنكم لم تخلقوا للفناء، وإنما خلقتم للأبد والبقاء، وإنما تنقلون من دار إلى دار".
كل نفس ذائقة الموت
استأثر الله سبحانه بالملك والبقاء، وأذل رقاب الخلق بما كتب عليهم من الفناء، فليس مخلوق إلا وهو ميت، يموت الصالحون والطالحون، يموت النبيون والمرسلون، يموت الملائكة المقربون، (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) [الرحمن:26، 27] . (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) [آل عمران:185] (وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص:88] .
روى مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم:"يطوي الله عز وجل السماوات يوم القيامة بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك! أين الجبارون أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضيين بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون...".