فهرس الكتاب
فاعلم يا عبد الله أن لكل واحد منا مع الموت موعدًا مضروبًا، وأجلًا معدودًا، ووقتًا محسوبًا، وأنه إذا جاء فلا محيد عنه ولا محيص منه، (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) [يونس:49] .
(وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المنافقون:10، 11] .
موعد مجهول:
فإذا علمت أنك ميت لا محالة، وأن موعد الموت غيب لا يعلمه إلا الله، فلا أحد يعلم متى ينتهي أجله ولا أين توافيه منيته، وإنما هو غيب غيبه الله عن العباد فلا يعلمه إلا هو (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) [لقمان:34] .. أدركت عندئذ معنى قول حبيبك صلى الله عليه وسلم:"أكثروا من ذكر هاذم اللذات"
فإن كثرة ذكر الموت تعطيك ثلاث فوائد: تعجيل التوبة، والرضا بالقليل، وعدم مزاحمة أهل الدنيا في دنياهم.
كما وأن نسيان الموت والغفلة عنه يورث أشياء ثلاثة: قسوة القلب. وتسويف التوبة. وحب الدنيا.. التي من أحبها وتعلق قلبه بها أورثته شغلًا لا يفرغ منه أبدًا، فهو كترس في آلة أو كثور معلق في ساقية. وهمّا لا ينصرف عنه أبدًا. وعدم رضًا لا ينفك عنه أبدًا ولو ملك كنوز الأرض.
قال عمر بن عبد العزيز:"أكثر من ذكر الموت، فإن كنت واسع العيش ضيقه عليك، وإن كنت ضيق العيش وسعه عليك".
قال إبراهيم التيمي:"شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله عز وجل".
قال الحسن:"ما رأيت عاقلًا قط إلا أصبته من الموت حذرًا وعليه حزينًا".
وكان الربيع بن خيثم قد حفر قبرًا في داره، فكان ينام فيه كل يوم مرات، وكان يقول: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة واحدة لفسد.
فاجعل الموت منك على بال، واستعد له في كل لحظة فإنك معرض له. واجعل حاديك في كل زمان ذاك الرجل الذي كان يخرج كل ليلة فينادي الرحيل الرحيل، فلما مات سأل عنه الأمير فقالوا: مات. فقال:
مازال يلهج بالرحيل وذكره.. ... ..حتى أناخ ببابه الجمال
فأصابه متيقظًا ومشمرًا.. ... ..ذا أهبة لم تلهه الآمال
والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
مستوطنون باسم التوراة
أصغيت بانتباه إلى إذاعات كثيرة شاركت في الاحتفال"بيوم الأرض"، وهو يوم حزين يخرج فيه عرب فلسطين المحتلة ليحيوا ذكرى شهدائهم الذين قاوموا الاغتصاب اليهودي لترابهم الوطني، هذا الاغتصاب الذي تحول إلى اجتياح مسعور بعد هزيمة سنة 1967م.
وشعرت بالسخط وأنا أسمع ما قيل من شعر ونثر، إذ كان المتحدثون يؤكدون عروبة فلسطين، لأن الكنعانيين هم أصحابها الأوائل، والكنعانيون والعدنانيون والقحطانيون جميعًا عرب، أما بنو إسرائيل فهم طارئون غرباء.. وحاولت أن أتسمَّع معنى آخر يربطنا بأرضنا فلم أرجع بطائل!!
ما تحدَّث أحد عن الله ورسوله، ما تحدَّث أحد عن عمر بن الخطاب وتسلُّمه الأرض من النصارى لا من اليهود، ما تحدَّث أحد عن أصلنا الديني وتاريخنا الإسلامي، ما تحدَّث أحد عن انتهاء الدور الروحي والحضاري لليهود وبزوغ رسالة أُخرى بعيدة عن الأثرة والحقد، ما تحدَّث أحد عن أن وظيفة الهيكل وبنائه مسكنًا للرب قد أُلغيت وأن الوظيفة الجديدة هي لمسجد يصيح في أرجاء العالمين: الله أكبر..كان التنادي بالعودة إلى الأرض وحقِّ أبناء كنعان في وراثتها..
إن دوران المعركة على هذا النحو هدف استعماري انزلق إليه العرب في محنتهم النفسية والعسكرية، ولن ينالوا من ورائه خيرًا. فبنو إسرائيل يديرون المعركة على أساس ديني بحت، ويستقدمون أتباع التوراة من المشرق والمغرب قائلين: تعالَوا إلى أرض الميعاد، تعالَوا إلى الأرض التي كتبها الله لأبيكم إبراهيم كما أكد العهد القديم.
باسم التوراة:
في تقرير لـ"فرانس برس"نشرته صحيفة"الراية القطرية 2/5/1982م"تحت عنوان"مستوطنون باسم التوراة"التقى الكاتب بنفر من اليهود في المستعمرات التي أنشؤوها، وتحدث معهم ليستكشف سرائرهم وأسباب مجيئهم، ومدى حرصهم على البقاء مع المقاومة العربية المتصلة.
قال"هارون"الذي يقيم في مستعمرة"أوفرا"من خمس سنين:"إنني أمتلك ما لديَّ باسم التوراة!! واعتراضات العرب لا وزن لها". ويبلغ هارون من العمر 40 سنة، وهو يضع مسدسًا في حزامه، ويوالي حركة"جوش أمونيم"كتلة الإيمان الدينية المتطرفة. والواقع أن الاتجاه الذي يمثله هو الغالب على جمهور المستوطنين الإسرائيليين.
وفي"كيريات أربع"وهي مستعمرة بجوار مدينة الخليل يؤكد"شالوم"- وعمره 33 عامًا - ما ينتويه فيقول:"إن اهتمامي الرئيسي منصب على عودة الشعب اليهودي للإقامة بأرضه.. وإذا كان العرب لا يرون أن نصوص التوراة ليست سببًا كافيًا لحق الملكية فليست هذه مشكلتي".
وتقول"مريم لوينجز"وهي قرينة حاخام يهودي مشهور:"إن علينا أن نطيع أوامر الله الذي طلب منا العودة إلى الأرض المقدسة". وهي تقيم مع أحد عشر ابنًا لها وسط مدينة الخليل العربية على أنقاض معبد قديم!!