فهرس الكتاب
وختم الكاتب تقريره بهذه العبارات على لسان"هارون":"لقد صاح وهو يطل من النافذة ويشير إلى مزارع الفاكهة: هذا البلد ملك لنا، عندما وصلنا هنا لم تكن توجد إلا تلال وحجارة!! لقد خضَّرنا الصحراء، ولقد ساعدنا الله منذ ألفي عام ولن يمتنع عن ذلك فجأة، بل سوف يساعدنا على حل مشكلاتنا مع العرب"!!
أرأيت أيها الأخ فلسفة القادمين الجدد، وأحاديثهم السرَّية والعلنية؟ الله ومواعيده لشعبه المختار!! التوراة والحدود التي رسمتها!! حق التملك للأرض باسم الدين اليهودي، وجهود البناء والتعمير، ليكن العرب أبناء كنعان أو قحطان فليعيشوا بعيدًا عنا.
وما يقوله رجل الشارع العادي هو ما يردده رئيس الوزراء المسؤول. فكيف بربِّ الأرض والسماء يصرخ القوم بانتمائهم، وننسلخ نحن من هذا الانتماء مؤثرين عليه انتماء عرق لا يقدِّم ولا يؤخِّر؟!
وعندما يتكلم السياسي اليهودي رافعًا بيمينه كتابه المقدس، فهل يسكته سياسي عربي يستحي من كتابه، ولا يذكره لا في محراب ولا في ميدان؟!
من هو طيب الذكر كنعان؟
إن اليهود يعرفون كما نعرف أن فلسطين لم تكن خالية من سكانها يوم دخلوها فاتحين باسم التوراة. كان الكنعانيون يَحْيَون في هذه الربوع التي فاضت عليهم سمنًا وعسلًا، وكانوا أصحاب تفوّق مدني وعسكري أغراهم بالترف والعبث والجبروت، وكانوا مرهوبين يخشى الناس بطشهم، ويْوجَلون من التعرض لهم. فلما خرج موسى وقومه من مصر واحتوتهم سيناءُ قيل لهم: ادخلوا فلسطين فسيناء مَعْبَر إليها، ففزع اليهود من هذا التكليف وخشَوا مقاتلة أهلها يومئذ، وقالوا لموسى عليه السلام: (إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) [لمائدة:22] .. وهذا الرد يقطر جبنًا؛ فإن الكلاب والقطط تدخل بلدًا خرج منه أهله، أي شجاعة في هذا الموقف؟!
وحاول موسى - عليه السلام - وبعض الصالحين تشجيع بني إسرائيل على الهجوم فقالوا في إصرار: (إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) [لمائدة:24] . وعمَّت الأقدار على بني إسرائيل أرض سيناء، فظلوا يتيهون فيها أربعين سنة، هلكت خلالها الأجيال الجبانة، ونبت جيل أنظف، ولكن بعدما مات موسى - عليه السلام - وقاد القوم يوشع الذي دخل فلسطين بعد قتال شديد مع جبابرتها الأولين.
ودخل اليهود فلسطين، وأقاموا لهم دولة مكثت قرابة قرنين.. فماذا فعلوا؟ أضحَوا شرًّا من سلفهم الذاهب، وملؤوا الأرجاء خبثًا وسفكًا وفتكًا، وقتلوا الأنبياء المختارين والأئمة الْمُقسطين، فحكم الله عليهم بالطرد والذل وتوارث الأقوياءُ نبذهم وتشريدهم.
وأشرق الإسلام في القدس:
فلما دخل المسلمون بيت المقدس في الشروق الإسلامي الأول كانت العاصمة العتيقة في أيدي الرومان، وكان دخولها محرَّمًا على اليهود، وأقبل أمير المؤمنين عمر من جوف الصحراء يتألَّق جبينه بشعاع الوحي الخاتم وتمشي في خطاه معالم التوحيد الحق.
قال التاريخ: كان التواضع المذهل يكسو موكبه الساذج، وكان الرجل الذي قوَّض صرح الدولتين العظيمتين في العالم يتحرَّك مطرق الطَّرْف خاشعًا لله فوق رَحْل رَثٍّ وبين حاشية مستكينة، يقول بصوت رهيب: كُنَّا ـ نحن العرب ـ أذل الناس حتى أعزَّنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العز في غيره أذلَّنا الله.
ولم يقل عمر رضي الله عنه: الويل للمغلوب.. بل أمَّن النصارى على كنيستهم، وقرر حرية العبادة، ثم شرع يرسي قواعد الدولة الجديدة على التقوى والعدالة والمرحمة.. شرف العروبة في هذه الدولة ذوبانها في إعلاء كلمة الله.
مهزلة الفصل بين العروبة والإسلام:
حتى جاءت هذه الأيام النحسات، فإذا ناس من العرب ينسون عمر والإسلام والتاريخ كله، ويقولون: نحن أبناء كنعان!! مسحورين بالاستعمار العالمي الذي أَلغى الدين وجعل مكانه الوطنية أو القومية!! وبقي أن يقول العرب في جنوب الجزيرة: نحن أبناء عاد، وأن يقول العرب في شمال الجزيرة: ونحن أبناء ثمود!! وفي الوقت الذي يتعرَّى العرب فيه عن دينهم ويَحْيَون مكشوفي السوأة، يتسربل اليهود بعقيدتهم ويصرخون بحماس هائل: نحن أبناء التوراة وأولاد الأنبياء، نحن بنو إسرائيل!!
ونمضي في مهزلة فصل العروبة عن النسب الإسلامي في الميدان الدولي والتربوي على سواء، فنلحظ بقدر من الدهشة أن مسؤولين في المؤتمر الإسلامي أحزنهم بطش اليهود بالعرب داخل إسرائيل، ففزعوا إلى"بابا الفاتيكان"يسأَلونه النجدة لإخوانهم!! لقد سألوه باسم الإنسانية التي تجمع الكل، وما أحسبهم سألوه باسم"الوحي"الذي يشمل الأديان الثلاثة.
وجاء الجواب.. قالت الصحف: خطب البابا في مائة ألف مصل احتشدوا في الكنيسة لتحية ذكرى دخول المسيح القدس، فقال:"إنه لا يسعنا إلا أن نفكر في أرض المسيح أرض فلسطين!! حيث علَّم المسيح المحبة ومات كي تتصالح الإنسانية".
ثم أعرب عن أمله في مجيء اليوم الذي يوافق فيه شعبا هذه الأرض على وجود وحقيقة كل منهما، حتى يعيش الطرفان - يعني العرب واليهود - في سلام!!
وقال كلاما حمل كاتبا في صحيفة"الراية القطرية"أن يكتب في 5/4/1982م"تمخض الجبل...."
وأقول: إن الذي يرتقب غير هذا الوعظ من بابا روما مخطئ ولا يعرف حقيقة النصرانية. وقد وقع في هذا الخطأ عرب آخرون استنجدوا بمجلس الكنائس العالمي، وعادوا من محاولتهم بخُفَّي حُنَين.