الصفحة 477 من 3812

إن النصرانية تؤيد قيام إسرائيل، وترى عودة اليهود إلى فلسطين معجزة للكتاب المقدَّس وآية تشهد بصدقه، وقد نبَّه"وايزمان"-أول رئيس لإسرائيل إلى ذلك فقال:"إن لورد بلفور وغيره من الوزراء الإنجليز كانوا يعبدون الله حين أصدروا إعلان الوطن القومي، وكانوا يمثلون الإيمان المسيحي"!!

هل أقول: إن العرب لا يقرؤون، وإنهم يجهلون ذلك حقًّا؟ ما أظن!!

الواقع أن العرب فتنهم الغزو الثقافي وحسبوا أن الوطنيات أو القوميات الحديثة تخلَّت عن عقائدها الأولى، فتزحزحوا عن قواعدهم، وفرَّطوا في دينهم على حين بقي خصومهم بمشاعر القرون الأولى. ولو حدث بالفعل أن غيرنا نسي دينه أو تناساه، فهل ذلك عذر للكفر والفسوق والعصيان؟

إن قضية فلسطين خاصة يستحيل تجريدها من طابعها الديني، والقول بأنه يجب طرد المستعمرين اليهود من بلادنا، كما يجب طرد المستعمرين البيض من جنوب إفريقية، وأن كلا النظامين يقوم على نزعة عنصرية، هذا الكلام تغطية سخيفة لحقائق مرة.

إن العدوان اليهودي المدعوم بقوى الصليبية العالمية له غاية مرسومة معلومة هي: إبادة أُمة وإزالة دين، هي الإجهاز على الأُمة العربية التي حملت الإسلام أربعة عشر قرنًا، وتريد أن تظل عليه شكلًا إن تركته موضوعًا.

والذين يبعدون الإسلام عن معركة فلسطين يشاركون في تحقيق هذه الغاية، لأن فلسطين من غير الدفع الإسلامي زائلة، والعرب من بعدها زائلون، والمسلمون بعد زوال العرب منتهون، وهذه هي الخطة!!

إن ذهابَ العرب بأنفسهم وشموخَهم بجنسهم وحديثهم عن حضارة كنعان وقحطان وعدنان - إن كانت لهم حضارة - إن ذلك يطعن الأخوة الإسلامية طعنة نافذة، فإذا انضم إلى هذا الغرور نسيان لفضل الإسلام وبعث لنشاط عصري جديد يقود العروبة فيه الشيوعيون والنصارى والمسلمون، فذاك هو الارتداد الذي ينتهي بالعرب إلى مصارعهم، ويحوِّلهم أجمعين إلى لاجئين لا وطن ولا دين!!

إن احتباس العرب في نطاق مآربهم الخاصة رذيلة منكورة، واهتمامهم بقضاياهم وحدها أنانية مرذولة.

في الحرب العالمية الأولى انضمَّت الثورة العربية الكبرى إلى الإنجليز وقاتلت الأتراك، وتسببت في هزيمتهم، فماذا جنى العرب؟ أعطى الإنجليز فلسطين وطنًا لليهود، وسقطت الخلافة التي رفضت أيام عبد الحميد بيع فلسطين بالقناطير المقنطرة من الذهب، ووقعت وحشة هائلة بين الترك والعرب انتهت بارتداد الحكم التركي عن الإسلام.

أما نتقي الله في ديننا ورسالتنا بعد هذه النتائج الرهيبة، ونستمسك بالإسلام الذي شرفنا الله به، ونجعل الولاء له بعد ما تبين شؤم ما عداه؟!

في حمّى اعتزاز العرب بقوميتهم وقع تزوير مثير في دراسة التاريخ، فسمِّي البطل الكردي المسلم"صلاح الدين الأيوبي"بحامي القومية العربية!! والرجل الضخم لم يكن يعرف قومية لا عربية ولا كردية، كان مسلمًا فقط.

إن إبعاد العرب عن الإسلام خيانة وطنية، إلى جانب أنها ردَّة دينية، والذين يمضون في هذا الطريق يخدمون الصهيونية والصليبية والشيوعية.. (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور:63] .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من كتاب"هموم داعية"بتصرف.

يحسب أن ماله أخلده

ما أشقى القيم عندما يصبح المال وحده لحمتها وسداها، وأتعس بالأمم إذا بات المال عندها معيار التفاضل ومنهاج التعامل! به ترفع وتضع، وفيه تقدم وتؤخر، وله تسعى وتحفد.

وكم تؤذي السمع، وتستدعي الازدراء قالة أقوام: (فلان رجل) ، وإذا رحت تسائل هؤلاء الناس: فِيمَ استرجل فلان وجدّ؟ أجابوا - وبئس الجواب - بثروته المالية ومكانته الاقتصادية!

وحرصًا على إثراء رصيد المسلمين بالمعرفة التاريخية، وعمارة أرواحهم بأصل القيم،تعاقب القصص القرآني عن الأمم السالفة ليكون من الروافد الفكرية لمكونات الشخصية الإسلامية.

ولقد ثبت عن الإمام أحمد - رحمه الله- حبه لقصص موسى في القرآن الكريم، والتي توزعت فصولها هذه في كثير من آيات القرآن تحكي جهاد هذا الرسول الكريم - صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء - وكيف اصطدم بالطغيان السياسي الذي تمثله دولة فرعون ومواجهة لبذور وجذور الرأسمالية القارونية - التي كان قارون صنمها البارز ووثنها الشامخ.

وما ذكر في القرآن من قصة قارون مع قومه تتمثل في هذه الآيات من رقم 76 إلى رقم 82 من سورة القصص . قصة متكاملة العناصر؛ فزمن القصص - فترة رسالة موسى -صلى الله عليه وسلم-. والأماكن التي شهدت الدعوة مكانها. ووقائع القصة - وإن انتهت زمنًا - فهي مستمرة حياة وإيحاءً، مادام النموذج الذي عرضت له القصة قائمًا في عالم الناس . وقارون يقوم بدور البطولة بين شخصياتها المتمثلة بقومه عمومًا، ثم يتحدد هذا العموم بفئتين:

الأولى: الدنيويون .

الثانية: أولو العلم .

وموضوع الصراع هو المال - مصدرًا وهدفًا ومصرفًا - وتبدأ القصة معرّفة بقارون هذه الشخصية البائسة التي تعايش ربيع الزمن - وجود النبوة - ولكنها في شغل عنها بالمال جمعًا وكنزًا، ثم تفتح الآيات أعيننا على الأخطار التي تنتج عن رأسمالية فرد، فما تكون عليه هذه المخاطر إذا كانت هذه الرأسمالية نظام حياة وأسلوب حكم؟!:

وأولى هذه المخاطر الظلم: [فَبَغَى عَلَيْهِمْ] فالمُتيّم بالمال، والصبّ بجمعه لا يهتم إلا بما يزيد هذا المال رقمًا دون مبالاة بظلم مؤلم أو بغي مؤذٍ. وفي ظل هذا الوضع تهان إنسانية الإنسان، ويكون التعامل معه كالتعامل مع الأشياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت