فهرس الكتاب
والخطر الثاني: الفرح: [إذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ] ، ويبدو أنه قد لازمه حتى صار خُلقًا له أو كما يقول أهل النحو ( صفة مشبِّهة أو صيغة مبالغة) فبلغ به حد الأثرة والبطر، كما يقول القرطبي أو بلغ الحد الذي يُنسي المنعم بالمال كما يقول صاحب"الظلال".
والخطر الثالث: التوجه الكلي إلى الدنيا وحدها، وهذا ما يستنبط بمفهوم المخالفة من قوله تعالى: [وابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ] وكما لا يظن أن ذلك دعوة إلى مقاطعة الدنيا أتبع (والله أعلم) لقوله: [ولا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا] وابتغاء وجه الله بالعمل محض الإيمان، فلا يذل المرء للمخلوقين أو يصبح تحت رحمة أهوائهم إذا اتخذ وجوههم قبلة تحقيقًا لتوحد حب الدنيا في قلبه .
وبعد إشباع شهوة التسلط القاروني بالبغي، وإتراعها بالفرح وما في ذلك من مكسب إعلامي يجعل من صاحبه حديث الصالونات ومحتكرًا للصفحة الاجتماعية في الجرائد والمجلات - بعد ذلك تمضي بنا الآيات إلى الخطر الرابع وهو الفساد في الأرض: [وَلا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ] ، وكلمة الفساد ينطوي في أحشائها - وينضوي تحت راياتها - شرور شتى، وخبائث عدة ؛ لأن القارونية لا مكان في معجمها المادي للأخلاق، بل لا ترى بأسًا أن يكون في مقتل الأخلاق دخل مدار الربح كما في عوائد الربا والفوائد كما في دخول الميسر والخمر والدخان ... إلخ.
والأخطار الأربعة السابقة نتيجة منطقية لرأسمالية قارون التي تدين بالحتمية المادية - وهذه نقطة تلاقٍ مع الشيوعية - التي تجحد قدرة الله في الإعطاء والمنع، والفقر والغنى، وترد ذلك إلى سلطان العقل وثمرة العمل، وتبجح قارون: [إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي] يمثل الأبوة الروحية لكل منزع مادي، فهو كما قال أحد المفسرين:"تَنَفَّجَ بالعلم وتعظم به".
ومادام قارون يعتقد ألا فضل لله في إيجاد هذا المال فليس له - بالتالي - حكم في مصاريفه وإنفاقه. ولكن الآيات ردت على المادية القارونية بأن المادية التاريخية لم تعصم أهلها - بالرغم مما في يدها من علم ومال: [أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وأَكْثَرُ جَمْعًا] وما على القوارين إلا التأمل في مصائر الثراء وفعائل المال بأصحابه؛ (إذ لو كان المال يدل على فضل لما أهلكهم) كما يقول القرطبي.
وكأن هذه القارونية قد أخذت على نفسها الميثاق ألا تُبقي عيبًا من عيوب الثراء الذي لم يؤسس على تقوى إلا وكشفته، هاهي الآيات تعرض لنا المنظر الأخير للإفلاس القيمي عند قارون الذي لم يجد ما يدلل به على حضوره ثريًا إلا خروجه في زينته (كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد) التي لم يكن الحاضر فيها منه إلا مظاهرها المادية بعد أن فارقنا إنسانيته أو فارقتنا في سعير المظالم وسعار الشهوات وسكرة الفرح.
ولقد نقلت الآيات قارون من الجريمة الفردية إلى الجريمة الاجتماعية أو بلغة الأدب - من الشخص إلى المصطلح ومن الحدث إلى الرمز لتصبح القارونية عباءة لكل قارون معاصر أو ثري جَحود.
لم يكد قارون يفرغ من عرض ثروته، واستعراض زينته إلا وقد أشعل في قلوب الدنيويين مشاعر التلهف وشعائر التأسف ألا يكون لهم مثل هذه الثروة: [يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ] ؛ فجاءت إغاثة اللهفان - شأنها في كل زمان ومكان - من أهل العلم الذين حذروا من خطورة النظرة السطحية للأمور، والتي تريد الدنيا للدنيا، ثم لفت أهل العلم الأنظار إلى [ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ] ، فذلكما الأمران هما المطلوبان والمحبوبان ثواب الله والإيمان به . وفي ذلك تنبيه للدنيويين على مدار التاريخ - وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها - أن الثروة قد تدلف فجأة، ولكن ترويض النفس على الإيمان والعمل الصالح منزلة [وَلا يُلَقَّاهَا إلاَّ الصَّابِرُونَ] .
وما أن يُنهي أهل العلم كلامهم ؛ حتى تغيّب الأرض قارون في ظلماتها - والعطف بالفاء - ] فَخَسَفْنَا[ يدل على سرعة الأخذ، والعقوبة بالخسف مناسبة لسخف المعتقد . وهكذا أصبح هذا الثراء بالرشاء أجدر.
وفاجعة النهاية لا تقل في غناها المعنوي عن مأساة البداية، فهذه الثروة الهائلة تغور في أعماق البسيطة بثوانٍ كأن لم تكن: [فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ والأَرْضُ ومَا كَانُوا مُنظَرِينَ] [الدخان: 29] .
وإذا جاء أمر فإنه يترك كل القوى اللائذة بأهل المال رغبة أو رهبة - عاجزة عن أي دور: ]فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ومَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ [ وبقدر ما كان الانتقام فاجعًا لقارون كان مفاجئًا للدنيويين فقد انتزعتهم النهاية من زيف أحلامهم وسكرة مشاعرهم لتوقفهم على الأخذ الأليم؛ فيصرخون [وَيْ] لتبصر البصائر ما عجزت عنه النواظر، ويدركون ألا علاقة بين الهداية والثراء؛ فالله: [يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ويَقْدِرُ] . كما يعترفون بفضل الله عليهم لتدارك رحمته - إياهم - بنصح أولي العلم:]لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا [، كما يخرجون بتجربة ناجحة عن مستقبل الثراء الكافر: [وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الكَافِرُونَ] ، والتعبير بالمضارع [لا يُفْلِحُ] يفيد ديمومة الحكم ما وُجدت أطراف القضية.