فهرس الكتاب
وإذا كان الفوز في الآخرة هو الفوز، فالطريق إليه يبدأ في الدنيا بتجنُّب التجبُّر: [لا يُرِيدُونَ عُلُوًا] ، ومجانبة الفساد بكل مضامينه: [وَلا فَسَادًا] ، ولئن قُدر للمبطلين أن يهيمنوا بعض الوقت فلن يتأتى لهم ذلك دائمًا أو انتهاءً؛ لأن [الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] [القصص:83] .
أيها الدعاة: الحذرَ.. الحذرَ
يتفق علماء الحضارات على وجود"شاشة"في كل مجتمع لتفحص وتمحيص الموجات الثقافية والفكرية الوافدة، تقوم هذه الشاشة بفرز الأفكار الجديدة الوافدة قبل تغلغلها في العمق العقلي الثقافي لأفراد المجتمع، فتفرز هذه الشاشة ما تحمله هذه الموجات من غبار طلع ثقافي، فتأخذ منه ما يلائم ويوائم النسيج الثقافي المحلي، وتستبعد ما يتنافى مع هذا النسيج. هذه الشاشة عندما تكون بعافيتها بإمكانها رفض كل ما هو ضار من هذه العناصر الثقافية الوافدة، ولا تأخذ من هذه العناصر إلا المفيد الذي يلبي احتياجات نفسية وروحية وعلمية عجزت الثقافة المحلية عن تلبيتها.
وبلا شك فماهية هذه الشاشة تختلف من حضارة إلى أخرى، وشاشة المجتمع الإسلامي هي الدعاة على اختلاف صورهم، من الكاتب المفكر إلى الأستاذ الجامعي إلى خطيب المسجد وغيرهم، فمادام دعاتنا بخير وفي يقظة فأبشر، إذ تجد الأفراد معتصمين بآداب الدين الحنيف، فتظل بهم الأسرة طاهرة نقية، وتتكون من هذه الأسر الجماعة السليمة القوية، فالأمة العزيزة الأبية، فالدولة العظيمة المتحدة.
وعندما يكون الدعاة في ضعف، نفقد شاشتنا الثقافية، وعندئذ يحدث الاستلاب الحضاري، الذي يكرس هزيمة واندحار ثقافتنا أمام الثقافات الوافدة، ونرى الفرد المسلم يتهاون في تعاليم دينه وتقاليده، فيتطرق الفساد إلى الأمة بأسرها، وتضيع حريتها وكرامتها واستقلالها.
لقد أدرك أعداء الإسلام أهمية دور الدعاة في المجتمع الإسلامي، فحاولوا بكل السبل النيل منهم، وسلكوا في سبيل ذلك طرقًا شتى، نذكر منها على سبيل المثال طريقين:
الأول: إضرار العلاقة بين الدعاة وأفراد المجتمع الإسلامي.
والثاني: خداع الدعاة أنفسهم، ومحاولة إقناعهم بأن العمل الدعوي لا تستدعيه الضرورة.
ولكي يسير أعداء الإسلام في الطريق الأول، اتبعوا عدة وسائل أهمها:
1ـ تشويه صورة رجل الدعوة، وإبراز حياته للناس على أنه رجل لا يعرف شيئًا، وإشاعة جو من الافتراء عليه بالسخرية والاستهزاء في الأفلام والمسلسلات ومختلف وسائل الإعلام. ويهدف الأعداء من وراء ذلك إلى تهميش دور الشخصيات الدينية في المجتمع، ومحاولة عزل هذا الرمز وهذه القدوة، ومن ثم عزل اللون الفكري الذي يمثله هذا الرمز، وخلق قدوة أخرى ونماذج أخرى لتكون هي المثل الأعلى، ومع اشتداد الغزو الثقافي والهيمنة الإعلامية الغربية، تصاعدت هذه الظاهرة.
2 ـ عزل الدعاة عن الحياة العامة ومنعهم من تولي المناصب القيادية، وتضييق الحياة المعيشية عليهم، وهذا بلا شك عامل مؤثر في الدعاة كما في دعوتهم أيضا، فمن الطبيعي أن يكون الشغل الشاغل للدعاة في مثل هذه الظروف الجري وراء توفير لقمة العيش لهم ولأسرهم، وبالطبع أدى ذلك إلى ضعف تأثير الدعاة في أفراد المجتمع الإسلامي، مما أدى إلى نقص فعالية الشاشة الثقافية في عملية الفرز الثقافي للأفكار الوافدة علينا من الغرب.
أما الطريق الثاني، وهو طريق التغرير بالدعاة، فهو يبرز في أمور عدة، أبرزها مقولة"تدهور قوة الغرب وتنامي قوة الإسلام"، وكأن أصحاب هذه الفرية يقولون للدعاة: هونوا عليكم أيها الدعاة، إن مجتمعكم على ما يرام، وهذا في الواقع شَرَكٌ ينبغي على دعاة الإسلام ألا يقعوا فيها، لأنهم ينطلقون من موقع الضرورة، والضرورة القصوى، بل هو صراع الوجود الذي ينبغي على الشاشة الثقافية العمل فيه بكامل طاقتها وطوال الوقت.
وفي الواقع لا توجد فكرة يطرب لها المسلمون، ويتداولونها، وتهفو نفوسهم سريعًا إلى تصديقها، كالفكرة القائلة إن الغرب في حال انحطاط، فما إن يخرج مفكر غربي برأي ينتقد فيه الحضارة الغربية أو المجتمع الغربي الحديث ويتوقع انحطاطه، إلا وتجد أصداء هذا الرأي تنعكس بأسرع ما يكون، وبشتى التفسيرات والاجتهادات في لغة الضاد، وينام المسلمون مرتاحين ملء جفونهم على اعتقاد أن الغرب في حال انحطاط، وأنه من الانهيار قاب قوسين أو أدنى! وبهذا فقد سمع المسلمون عن انحطاط الغرب أكثر مما سمعوا عن نهضته وعلومه ومكتسباته الحضارية، فهذه كلها أمور ثقيلة على قلب المفكر المسلم وسمع المواطن المسلم، لا يتحدث عنها ذاك ولا يستمع إليها هذا، أما الانحطاط فحدث عنه ولا حرج.
ولننظر في موضوع يعد علامة على حال المجتمع الإسلامي، من حيث القوة أو الضعف، ويعد مقياسًا لحال الدعاة ولأثرهم في المجتمع الإسلامي، ألا وهو موضوع المرأة التي هي أساس الأسرة التي لابد من تطهيرها إذا أردنا السير في طريق تحرير الأمة، لأن الأسرة إذا شيدت على تعاليم الإسلام، شب أبناؤها أعزة أحرارًا، فكان لهم بإيمانهم القوي بالله تعالى، وبرجولتهم الموفورة وهمتهم الصادقة، ما يسمو بهم عن مواطن الذلة والصغار، ويدفع بهم إلى مواطن العزة والافتخار، وبمثل هؤلاء تعتز الأمم وتسود الشعوب.