الصفحة 48 من 3812

قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) ( النور) }

وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن اتباع خطوات الشيطان ، فقال: { ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشيطان فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشآء والمنكر . . . } .

والخطوات: جمع خطوة . وهى في الأصل تطلق على ما بين القدمين . والمراد بها هنا: طرقه ومسالكه ووساوسه ، التى منها الإصغاء إلى حديث الإفك ، والخوض فيه .وما يشبه ذلك من الأقوال الباطلة ، والأفعال القبيحة .

أى: يا من آمنتم بالله حق الإيمان ، احذروا أن تسلكوا المسالك التى يغريكم بسلوكها الشيطان ، فإن الشيطان وظيفتها الإغراء بالشر لا بالخير ، والأمر بالفحشاء والمنكر ، وليس بالفضائل والمعروف .

وجواب الشرط في قوله: { وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشيطان } محذوف ، والتقدير: ومن يتبع خطوات الشيطان يقع في الضلال والعصيان ، فإن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر .

وخاطبهم - سبحانه - بصفة الإيمان ، لتحريك قوة الإيمان في قلوبهم ، ولتهييجهم على الاستجابة لما أرشدهم إليه - سبحانه - .

وقوله - سبحانه - { وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا . . . } بيان لمظاهر فضله - تعالى - ولطفه بعباده المؤمنين .

والمراد بالتزكية هنا: التطهير من أرجاس الشرك ، ومن الفسوق والعصيان .

أى: ولولا فضل الله عليكم - أيها المؤمنون - ورحمته بكم - ما طهر أحد منكم من دنس الذنوب والمعاصى طول حياته ، ولكن الله - تعال - بفضله ورحمته يطهر من يشاء تطهيره من الأرجاس والأنجاس . بأن يقبل توبته . ويغسل حوبته .

"والله"- تعالى -"سميع"لدعاء عباده ومناجاتهم إياه"عليم"بما يسرونه وما يعلنونه من أقوال وأفعال . (1)

إنها لصورة مستنكرة أن يخطو الشيطان فيتبع المؤمنون خطاه ، وهم أجدر الناس أن ينفروا من الشيطان وأن يسلكوا طريقًا غير طريقه المشؤوم! صورة مستنكرة ينفر منها طبع المؤمن ، ويرتجف لها وجدانه ، ويقشعر لها خياله! ورسم هذه الصورة ومواجهة المؤمنين بها يثير في نفوسهم اليقظة والحذر والحساسية: { ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر } . . وحديث الإفك نموذج من هذا المنكر الذي قاد إليه المؤمنين الذين خاضوا فيه . وهو نموذج منفر شنيع .

وإن الإنسان لضعيف ، معرض للنزعات ، عرضة للتلوث . إلا أن يدركه فضل الله ورحمته . حين يتجه إلى الله ، ويسير على نهجه .

{ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدًا . ولكن الله يزكي من يشآء } . .

فنور الله الذي يشرق في القلب يطهره ويزكيه . ولولا فضل الله ورحمته لم يزك من أحد ولم يتطهر . والله يسمع ويعلم ، فيزكي من يستحق التزكيه . ويطهر من يعلم فيه الخير والاستعداد { والله سميع عليم } (2) . .

أمر الأولاد بالمعروف ونهيهم عن المنكر

قال تعالى: { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) ( لقمان) }

لما منعه من الشرك وخوفه بعلم الله وقدرته أمره بما يلزمه من التوحيد وهو الصلاة وهي العبادة لوجه الله مخلصًا ، وبهذا يعلم أن الصلاة كانت في سائر الملل غير أن هيئتها اختلفت .

ثم قال تعالى: { وَأْمُرْ بالمعروف وانه عَنِ المنكر } أي إذا كملت أنت في نفسك بعبادة الله فكمل غيرك ، فإن شغل الأنبياء وورثتهم من العلماء هو أن يكملوا في أنفسهم ويكملوا غيرهم ، فإن قال قائل كيف قدم في وصيته لابنه الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر ، وقبل قدم النهي عن المنكر على الأمر بالمعروف فإنه أول ما قال { يابنى لاَ تُشْرِكْ } ثم قال: { يا بني أقم الصلاة } فنقول هو كان يعلم من ابنه أنه معترف بوجود الله فما أمره بهذا المعروف ونهاه عن المنكر الذي يترتب على هذا المعروف ، فإن المشرك بالله لا يكون نافيًا لله في الاعتقاد وإن كان يلزمه نفيه بالدليل فكان كل معروف في مقابلته منكر والمعروف في معرفة الله اعتقاد وجوده والمنكر اعتقاد وجود غيره معه ، فلم يأمره بذلك المعروف لحصوله ونهاه عن المنكر لأنه ورد في التفسير أن ابنه كان مشركًا فوعظه ولم يزل يعظه حتى أسلم ، وأما ههنا فأمر أمرًا مطلقًا والمعروف مقدم على المنكر ثم قال تعالى: { واصبر على مَا أَصَابَكَ } يعني أن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يؤذي فأمره بالصبر عليه ، وقوله: { إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور } أي من الأمور الواجبة المعزومة أي المقطوعة ويكون المصدر بمعنى المفعول ، كما تقول أكلي في النهار رغيف خبز أي مأكولي . (3)

أمره بالمحافظة على الصلاة وبالأمر بالمعروف ، وبالنهى عن المنكر وبالصبر على الأذى ، فقال: { يابني أَقِمِ الصلاة } أى: واظب على أدائها في أوقاتها بخشوع وإخلاص لله رب العالمين .

{ وَأْمُرْ بالمعروف } أى بكل ما حض الشرع على قوله أو فعله { وانه عَنِ المنكر } أى: عن كل ما نهى الشرع عن قوله أو فعله .

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 3060)

(2) - في ظلال القرآن - (ج 5 / ص 269)

(3) - تفسير الرازي - (ج 12 / ص 272)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت